ابن الجوزي
133
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فقال : وأنا والله أحبك ، فقالت له : أنا والله أحب أن تضع فمك على فمي ، قال : وأنا والله أحب ذلك ، قالت : فما يمنعك فوالله إن الموضع لخال ، فقال لها : ويحك إني سمعت الله تعالى يقول : * ( ( الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) 43 : 67 ) * [ 1 ] وأنا والله أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك في الدنيا عداوة يوم القيامة ، ثم نهض وعيناه تذرفان من حبها ، وعاد إلى الطريقة التي كان [ 2 ] عليها من النسك والعبادة ، فكان يمر بين الأيام ببابها فيرسل السلام ، فيقال له : ادخل فيأبى . ومما قال فيها : إن سلامة التي أفقدتني تجلدي لو تراها والعود في حجرها حين تنشد الشريحبي والغريض وللقوم معبد خلتهم تحت عودها حين تدعره باليد وفي رواية أخرى أنه لما قال لها : أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة ، قالت : أتحسب أن ربنا لا يقبلنا إن نحن تبنا إليه ؟ قال : بلى ولكن لا آمن أن أفاجأ ، ثم نهض يبكي فلم يرجع بعد ، وعاد إلى ما كان فيه من النسك . وروى مصعب الزبيري ، عن محمد بن عبد الله بن أبي مليكة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : دخل عبد الرحمن بن أبي عمار وهو يومئذ فقيه أهل الحجاز على نخاس فعلق فتاة فاشتهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه ، فكان جوابه : يلومني فيك أقوام أجالسهم فما أبالي أطار اللوم أو وقعا [ 3 ] فانتهى الخبر إلى عبد الله بن جعفر ، فلم تكن له همة غيره ، فحج فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألفا ، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها ، ففعلت ، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه ، فقال : ما لي لا أرى ابن أبي عمار زارنا ، فأخبر الشيخ فأتاه ، فلما أراد أن ينهض استجلسه فقعد ، فقال له ابن جعفر : ما فعل حب فلانة ،
--> [ 1 ] سورة : الزخرف ، الآية : 67 . [ 2 ] في الأصل : « الَّذي كان » . وما أوردناه من ت . [ 3 ] في الأصل : « أطال النوم » . وما أوردناه من ت .