ابن الجوزي

125

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

منذ عشرين سنة لم أقدر عليه ، ولست بتارك طلبه أبدا ، قيل : وما هو ؟ قال : الصمت عما لا يعنيني ، وما قلت في الغضب شيئا قط فندمت عليه في الرضى . وكان يدخل على بعض إخوانه فيضع عندهم الدراهم فيقول : أمسكوها حتى أعود إليكم ، فإذا خرج قال : أنتم في حل منها . 598 - نصيب بن رباح ، وقيل أبو محجن الشاعر ، مولى عبد العزيز بن مروان [ 1 ] : وكان أسود شديد السواد ، جيد الشعر ، عفيف الفرج ، كريما يفضل بماله وطعامه . وكان أهل البادية يدعونه النصيب تفخما لما يرون من جودة شعره ، ولم يهج أحدا تدينا ، وكان في أول أمره عبدا لبني كعب راعيا لهم ، فباعوه من قلاص بن محرز الكناني وكان يرعى [ 2 ] إبله . وزعم ابن الكلبي أن نصيبا من بني الحاف بن قضاعة ، وكانت أمّه أمة فوثب عليها سيدها فجاءت بنصيب ، فوثب عليه عمه فباعه من رجل ، فاشتراه عبد العزيز بن مروان من الرجل . وقال غيره : إنما كان يتولع بالشعر ، فلما جاء قوله استأذن مولاه في إتيان بني مروان فلم يأذن له ، فهرب على ناقة بالليل ودخل على عبد العزيز بن مروان فمدحه ، فقال : حاجتك ، قال : أنا مملوك ، فقال للحاجب : اخرج فأبلغ في قيمته ، فجمع له المقومين فقال : قوموا غلاما أسود ليس به عيب ، قالوا : مائة دينار ، قال : إنه راعي إبل يبصرها ويحسن القيام عليها ، قالوا [ 3 ] : مائتا دينار ، قال : إنه يبري النبل ويريشها ويبري القسي [ 4 ] ، قالوا : أربعمائة دينار ، قالوا : إنه راوية للشرع ، قالوا : ستمائة دينار ، قال : إنه شاعر ، قالوا : ألف دينار ، فقال نصيب : أصلح الله الأمير جائزتي عن مدحتي ، قال : أعطوه ألف دينار ، فعاد فاشترى أمه وأخته وأهله وأعتقهم . وقد مدح عبد العزيز بن مروان وأخاه عبد الملك بن مروان وأولاده وعمر بن عبد العزيز ، وحصّل منهم مالا كثيرا .

--> [ 1 ] الأغاني 1 / 312 ، وإرشاد الأريب 7 / 212 ، والنجوم الزاهرة 1 / 262 ، وتاريخ الإسلام 5 / 11 . [ 2 ] « يرعى » : ساقط من ت . [ 3 ] في الأصل : « قال » : وما أوردناه من ت . [ 4 ] في ت : « ويعمل القسي » .