ابن الجوزي
87
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
تمرّ الليالي والشهور ولا أرى ولوعي بها يزداد إلَّا تماديا واشتهر أمر قيس بالمدينة ، وغنى بشعره الغريض ومالك ومعبد وغيرهم ، / ولم يبق شريف ولا وضيع إلا سمع بذلك وحزن له ، وجاء زوج لبني فعاتبها فقال : فضحني بذكرك ، فقالت : والله ما تزوجتك إلا بعد أن أهدر دمه ، ولا حاجة لي فيك . وكان بالمدينة دار ضيافة لرجل من قريش وله زوجة يقال لها بريكة ، فدخل الدار قيس في جنونه ، فقال : أين بريكة ؟ فلقيها ، فقال لها : حاجتي نظرة إلى لبني ، فقالت : لك ذلك ، فنزل فأقام عندهم وأهدى لها هدايا كثيرة ، وقال لاطفيهم حتى يأنسوا بك ، ففعلت وزارتهم مرارا وقالت لزوج لبني : أخبرني أنت خير من زوجي ، قال : لا ، قالت : فلبني خير مني ، قال : لا ، قالت : فما لي أزورها ولا تزورني ، قال : ذاك إليها ، فأتتها وسألتها الزيارة ، وأعلمتها أن قيسا عندها فأسرعت إليها فبكيا حتى كادا يتلفان ، ثم قالت له : أنشدني ما قلت في علتك ، فقال : أعالج من نفسي بقايا حشاشة على ظمأ [ 1 ] والعائدات تعود فإن ذكرت لبني هششت لذكرها كما هشّ للثدي الدّرور وليد ورحل قيس إلى معاوية ، فدخل على ابنه يزيد فامتدحه وشكى ما به ، فقال : إن شئت أن أحتم على زوجها أن يطلقها ، قال : لا بل أحب أن أقيم حيث تقيم وأعرف أخبارها من غير أن يهدر دمي ، فأجابه ، وغير ما كان كتب في إهدار دمه . وقد اختلفوا في آخر أمر قيس [ 2 ] . فروى قوم أن لبني ماتت فخرج قيس في جماعة من قومه ، فوقف على قبرها ، فقال : ماتت لبينى فموتها موتي هل تنفعن حسرتي على الفوت وسوف أبكي بكاء مكتئب قضى حياة وجدا على ميت ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه ، فرفعه أهله إلى منزله وهو لا يعقل ، فلم يزل عليلا لا يفيق ولا يجيب مكلما ثلاثا ، ثم مات فدفن إلى جنبها .
--> [ 1 ] في الأغاني : « على رمق » . [ 2 ] الأغاني 9 / 251 .