ابن الجوزي

77

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

والله ما لي من عذر قد صنعت ما ذكرت ، ثم نزلت فأقامت عندي ، فقلت : ما ترين في أمر هذا الرجل ، وكانت حازمة - وكانت امرأة حازمة - فقالت : أرى والله أن تلحق به سريعا ، فإن يكن الرجل نبيا فالسبق إليه أفضل ، وإن يكن ملكا فلن تذل في عزّ اليمن ، وأنت أنت ، وأبوك أبوك ، مع أني قد نبئت أن علية أصحابه قومك الأوس والخزرج . فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلت وهو / في مسجده ، فسلمت [ عليه ] [ 1 ] ، فقال : من الرجل ؟ فقلت : عديّ بن حاتم ، فانطلق بي إلى بيته ، فوالله إنه لعامد بي إلى بيته إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها ، فقلت في نفسي : والله ما هذا بملك ، أن للملك حالا غير هذا . ثم مضى حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا ، فقدمها إلي [ 2 ] ، فقال : « اجلس على هذه » فقلت : لا بل أنت . فجلس عليها فرأى في عنقي وثنا من ذهب ، فتلا هذه الآية : * ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً من دُونِ الله 9 : 31 ) * [ 3 ] ، فقلت : والله ما كانوا يعبدونهم ، فقال : « أليس كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه » قلت : بلى ، قال : « فتلك عبادتهم » . وقال : « إيه يا عدي ، ألم تكن تسير في قومك بالمرباع في مال فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك » ، قلت : أجل والله . فعرفت أنه نبي مرسل . ثم قال : لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، فوالله ليوشكن [ هذا ] المال [ أن ] [ 4 ] يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلك إنما يمنعك ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم ، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعير حتى تزور هذا البيت ، لا تخاف ، ولعلك إنما يمنعك من الدخول أن الملك والسلطان في غيرهم ، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم » . قال عدي : فأسلمت . وكان عدي يقول : قد مضت اثنتان وبقيت واحدة : ليقض المال .

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول ، أوردناه من ت . [ 2 ] في ابن هشام : « فقذفها إليّ » . [ 3 ] سورة : التوبة ، الآية : 31 . [ 4 ] في الأصول : « فوالله ليوشكن المال يفيض » . وما بين المعقوفتين من ابن هشام .