ابن الجوزي
57
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
اصنعوا كذا ، افعلوا كذا ، ثم يغلبه الوجع فيوضع . فاقتتل القوم قبل شروق الشمس ، فهزم أصحاب عبيد الله وقتل قائدهم . ثم اقتتلوا يوم الأضحى ، فهزم أصحاب عبيد الله ، وقتلوا قتلا ذريعا . وأتى يزيد بن أنس بثلاثمائة أسير ، فأمر بقتلهم ، فقتلوا ، فما أمسى يزيد حتى مات ، فانكسر أصحابه بموته . فقال ورقاء : يا قوم : إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل إلينا في ثمانين ألفا من أهل الشام ، ولا طاقة لنا به ، فما ذا ترون ؟ فإنّي أرى أن نرجع ، قالوا : افعل ، فرجع ورجعوا . فبلغ الخبر إلى المختار ، فبعث إبراهيم بن الأشتر على تسعة آلاف ، ثم قال : اذهب فارددهم معك ، ثم سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم . ثم إن أهل الكوفة تغيروا على المختار ، وقالوا : أتأمر علينا بغير رضا منّا ، وزعم أن ابن الحنفية أمره بذلك ولم يفعل ، فاجتمع رأيهم على قتاله ، وصبروا حتى بلغ ابن الأشتر ساباط ، ثم وثبوا على المختار ، فمنعوا أن يصل إليه شيء وعسكروا ، فبعث المختار إلى إبراهيم بن الأشتر : لا تضع كتابي من يدك حتى تقبل بجميع من معك إليّ . ثم بعث المختار إليهم : أخبروني ما ذا تريدون ؟ قالوا : نريد أن تعتزلنا ، فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك ، فقال المختار : ابعثوا إليه من قبلكم وفدا ، وأبعث من قبلي وفدا حتى تنظروا ، إنما أراد أن يشغلهم بالحديث حتى يقدم ابن الأشتر ، فأسرع إبراهيم حتى قدم صبيحة ثلاثة من مخرجهم على المختار . ثم خرج إليهم المختار فاقتتلوا كأشد قتال ، ونصر عليهم المختار ، وهربوا ، وأدرك منهم قوم فقتلوا منهم شمر بن ذي الجوشن ، وأسر سراقة بن مرداس ، فقال : ما أسرتموني ، وإنما أسرني قوم على دواب بلق ، وجاء سراقة يحلف باللَّه الَّذي لا إله إلا هو ، لقد رأيت الملائكة تقاتل على خيول / بلق بين السماء والأرض ، فقال له المختار : فاصعد المنبر وأعلم المسلمين ، ففعل ، فلما نزل خلا به المختار ، فقال : قد علمت أنك لم تر الملائكة ، وإنما أردت أن لا أقتلك ، فاذهب عني حيث شئت ، ولا تفسد علي أصحابي . ونادى المختار : من أغلق بابه فهو آمن إلا رجلا أشرك في دم آل محمد ، وخرج أشراف أهل الكوفة فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة ، وتجرد المختار لقتلة الحسين ، وكان يقول : لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم ، وأنقي المصر