ابن الجوزي

44

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

بلغني أن كثير عزة لقي جميلا [ 1 ] ، فقال له : متى عهدك ببثينة ؟ قال : ما لي بها عهد منذ عام أول وهي تغسل ثوبا بوادي الدوم ، فقال كثير : أتحب أن أعدها لك الليلة ؟ قال : نعم ، فأقبل راجعا إلى بثينة ، فقال له أبوها : يا فلان ما ردك ؟ أما كنت عندنا قبيل ؟ قال : بلى ، ولكن حضرت أبيات قلتها في عزة ، قال : وما هي ؟ فقال : فقلت لها يا عز أرسل صاحبي على باب داري والرسول موكل أما تذكرين العهد يوم لقيتكم بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل فقالت بثينة : اخسأ ، فقال أبوها : ما هاجك ، قالت : كلب لا يزال يأتينا من وراء هذا الجبل بالليل وأنصاف النهار . قال : فرجع إليه فقال : قد وعدتك وراء هذا الجبل بالليل وأنصاف النهار ، فالقها إذا شئت . وحكى أبو محمد بن قتيبة عن بعض الناس أنه قال : خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان ، فقلت : ممن أنت ؟ فقالت : من عذرة ، قلت : هل تروين عن بثينة وجميل شيئا ؟ فقالت : والله / إني لعلى ماء من الجناب [ 2 ] وقد اعتزلنا الطريق وقد خرج رجالنا في سفر وخلفوا عندنا غلمانا أحداثا ، وقد انحدرا لغلمان عشية إلى صرم [ 3 ] قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم ، وقد بقيت أنا وبثينة نستبرم غزلا لنا إذ انحدر علينا منحدر من هضبة حذاءنا ، فسلم ونحن مستوحشون ، فرددت السلام ونظرت فإذا رجل واقف شبهته بجميل ، ودنا فأتيته فقلت : جميل ، قال : أي والله ، قلت : عرضتنا ونفسك للشر ، فما جاء بك ؟ قال : هذه الغول التي من ورائك ، وأشار إلى بثينة ، فإذا هو لا يتماسك ، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون وتمر ، وإلى عكة فيها سمن فعصرته على الأقط وأدنيته منه ، فقلت : أصب من هذا ، ففعل وقمت إلى سقاء فيه لبن ، فصببت له في قدح ، وشننت [ 4 ] عليه من الماء فشرب وتراجع ، فقلت : لقد جهدت فما أمرك ؟ قال : أردت

--> [ 1 ] في الأصل : « أن كثير لقي عزة جميلا » . [ 2 ] الجناب : موضع بعراض خيبر وسلاح ووادي القرى . [ 3 ] الصرم : الجماعة المنعزلة . [ 4 ] في الأصل : « وسيبت » . وما أوردناه من ت .