ابن الجوزي
322
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال مؤلف الكتاب رحمه الله : وابتلي سعيد بن المسيب بالضرب . وذلك أن عبد الله بن الزبير ولى جابر بن الأسود الزهري المدينة ، فدعا الناس إلى بيعة ابن الزبير ، فقال سعيد : لا حتى يجتمع الناس ، فضربه ستين سوطا ، فبلغ ذلك ابن الزبير ، فكتب إليه يلومه ويقول : ما لنا ولسعيد ، دعه . وكان عبد الملك قد خطب بنت سعيد لابنه الوليد ، فأبى ، فاحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد ، وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف . أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن هبة الله الطبري ، قال : أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، [ 1 ] قال : حدّثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدّثنا زيد بن بشير الحضرميّ ، قال : حدّثنا ضمام ، [ 2 ] عن بعض أهل المدينة ، قال : لما كانت بيعة سليمان بن عبد الملك مع بيعة الوليد كره سعيد بن المسيب أن يبايع بيعتين ، فكتب صاحب المدينة إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما جميعا ، فكتب عبد الملك إلى صاحب المدينة . وما كان حاجتك إلى رفع هذا عن سعيد بن المسيب ، ما كنا نخاف منه ، فأما إذا ظهر ذلك وانتشر في الناس فادعه إلى ما دخل فيه من دخل في هذه البيعة ، فإن أبى فاجلده مائة سوط ، واحلق رأسه ولحيته ، وألبسه ثيابا من شعر ، وقفه على الناس في سوق المسلمين لئلا يجترئ علينا غيره . فلما علم بعض من حضر من قريش سألوا الوالي أن لا يعجل عليه حتى يخوفه بالقتل فعسى أن يجيب ، فأرسلوا مولى له كان في الحرس ، قالوا : أذهب فأخفه / بالقتل ، وأخبره أنه مقتول لعل ذلك يخيفه حتى يدخل فيما دخل فيه الناس . فجاءه مولاه وهو يصلي فبكى المولى ، فقال له سعيد : ما يبكيك ؟ قال : يبكيني ما يراد بك ، قد جاء كتاب فيك إن لم تبايع قتلت ، فجئت لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة ، وتفرغ من عهدك ، قال : ويحك قد وجدتني أصلي ، فتراني كنت أصلي ولست بطاهر ، وثيابي غير طاهرة ، وأما ما ذكرت من العهد فإنّي أضل ممن أرسلك إن كنت بت ليلة ولم أفرغ من عهدي .
--> [ 1 ] في الأصل : « ابن درشنونة » خطأ وما أوردناه من ت وكتب التراجم ، وقد تكرر هذا الخطأ أكثر من مرة . [ 2 ] في الأصل : « صمصام » . وما أوردناه من ت ، وهو الصحيح .