ابن الجوزي

307

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

يوما جارية صفراء ، فما زال حتى أنس بها ، فقال لها : هل تعرفين أم البنين ؟ فقالت : إنك تسأل عن مولاتي ، فقال : إنها لابنة عمي ، فإنّها تسر بمكاني وموضعي لو أخبرتها ، قالت : إني أخبرها فمضت الجارية فأخبرت أم البنين ، فقالت ويلك ، أحي هو ؟ قالت : نعم ، قالت : قولي له كن مكانك حتى يأتيك رسولي . فلن أدع الاحتيال لك ، فاحتالت إلى أن أدخلته إليها في صندوق ، فمكث عندها حينا فإذا أنت أخرجته ، فقعد معها وإذا خافت عين رقيب أدخلته الصندوق . فأهدي يوما للوليد بن عبد الملك جوهر ، فقال لبعض خدمه : خذ هذا الجوهر فامض به إلى أم البنين وقل لها : أهدي هذا إلى أمير المؤمنين ، فوجه به إليك . فدخل / الخادم من غير استئذان ووضاح معها ، فلمحه ولم تشعر أم البنين ، فبادر إلى الصندوق فدخله ، فأدى الرسالة ، إليها ، وقال لها : هبي لي من هذا الجوهر حجرا ، فقالت : لا أم لك ، وما تصنع أنت بهذا ؟ فخرج وهو عليها حنق فجاء الوليد فخبره الخبر ووصف له الصندوق الَّذي رآه دخله ، فقال : كذبت ، لا أم لك . ثم نهض الوليد مسرعا فدخل إليها وهي في ذلك البيت وفيه صناديق ، فجاء حتى جلس على ذلك الصندوق الَّذي وصف له الخادم ، فقال لها : يا أم البنين ، هبي لي صندوقا من صناديقك هذه ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، هي لك وأنا لك فقال لها : ما أريد غير هذا الَّذي تحتي ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن فيه شيئا من أمور النساء ، قال : ما أريد غيره ، قالت : هو لك . فأمر به فحمل ودعا بغلامين وأمرهما بحفر بئر ، فحفرا حتى إذا بلغا الماء وضع فمه على الصندوق وقال : أيها الصندوق ، قد بلغنا عنك شيء فإن كان حقا فقد دفنا خبرك ودرسنا أثرك ، وإن كان كذبا فما علينا من دفن صندوق من حرج ، ثم أمر به فألقي في الحفرة ، وأمر بالخادم [ 1 ] فقذف في ذلك المكان فوقه ، وطم عليهما المكان . فكانت أم البنين توجد في ذلك المكان تبكي إلى أن وجدت فيه يوما مكبوبة على وجهها ميتة . وقد روى نحو هذه الحكاية هشام بن محمد بن السائب : أن أم البنين كانت عند يزيد بن عبد الملك ، وإن قصة وضاح اليمن جرت له وهي عند يزيد .

--> [ 1 ] في ت : « وأمر بالغلام » .