ابن الجوزي
272
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فلما كان من الغد عاد الشيخ ومعه أسيران من المسلمين شابان ، فدفعهما إلى مسلمة وقال : أسأل الأمير أن يأذن لهذا الفتى أن يصير معي إلى حصني لأكافئه على فعله بي ، قال مسلمة للفتى : إن شئت فامض معه ، فمضى فلما صار إلى حصنه ، قال : يا فتى ، تعلم أنك ابني ؟ قال : وكيف أكون ابنك وأنا رجل من العرب مسلم وأنت رجل نصراني / من الروم [ 1 ] ؟ قال : أخبرني عن أمك ما هي ؟ قال : رومية ، قال : فإنّي أصفها لك ، فباللَّه إن صدقت الا صدقتني ، قال : أفعل . وأقبل الرومي يصف أن الفتى لا يحترم منها شيئا ، قال : هي كذلك ، فكيف عرفت إني ابنها ؟ قال : بالشبه ، وتعارف الأرواح ، وصدق الفراسة ، ووجود شبهي فيك . ثم أخرج إليه امرأة ، فلما رآها الفتى لم يشك أنها أمه لشدة شبهها بها ، وخرجت معها عجوز كأنها هي ، فأقبلا يقبلان رأس الفتى ، فقال له الشيخ : هذه جدتك وهذه خالتك . ثم اطلع من حصنه فدعا بشباب في الصحراء فأقبلوا فكلمهم بالرومية ، فجعلوا يقبلون رأس الفتى ويديه ورجليه ، فقال : هؤلاء أخوالك وبنو خالاتك ، وبنو عم والدتك . ثم أخرج إليه حليا كثيرة ، وثيابا فاخرة ، وقال : هذه لوالدتك عندنا منذ سبيت ، فخذه معك وادفعه إليها فإنّها ستعرفه ، ثم أعطاه لنفسه مالا كثيرا وثيابا جليلة ، وحمله على عدة دواب وبغال وألحقه بعسكر مسلمة وانصرف . وأقبل الفتى قافلا حتى دخل منزله ، وأقبل يخرج الشيء بعد الشيء مما عرفه الشيخ أنه لأمه ، فتراه فتبكي ، فيقول لها : قد وهبته لك ، فلما كثر هذا عليها ، قالت : يا بني ، أسألك باللَّه ، أي بلدة دخلت حتى صارت إليك هذه الثياب ؟ وهل قتلتم أهل الحصن الَّذي كان فيه هذا ؟ فقال لها الفتى صفة الحصن كذا ، وصفة البلد كذا ، ورأيت فيه قوما من حالهم كذا ، فوصف لها أمها وأختها ، وهي تبكي وتقلق ، فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : الشيخ والله أبيك ، والعجوز أمي ، وتلك أختي ، فقص عليها الخبر وأخرج بقية ما كان أنفذه معه أبوه إليها فدفعه إليها . وفي هذه السنة حج بالناس هشام بن إسماعيل ، [ وكان الأمير على العراق والمشرق كله الحجاج ،
--> [ 1 ] في ت : « رجل من الروم نصراني » .