ابن الجوزي
217
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فلما اطمأن العراقي سلم عليه وعرفه نفسه ، وهيأ له بغلة فارهة وثيابا من ثياب العراق وألطافا ، فبعث بها إليه ، وكتب معها : يا سيدي ، إني رجل تاجر ، ونعم الله علي سابغة ، وقد بعثت إليك بشيء من طرف [ 1 ] وكذا من الثياب والعطر ، وبعثت ببغلة خفيفة العنان وطية الظهر ، وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم / إلا قبلت هديتي ، ولا توحشني بردها ، إني أدين للَّه تعالى بحبك وحب أهل بيتك ، وإن أعظم أملي في سفرتي أن أستفيد الأنس بك ، والتحرم بمواصلتك . فأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة ، فلما رجع مرّ بالعراقي في منزله ، فقام إليه وقبل يده ، فرأى أدبا وظرفا وفصاحة ، فأعجب به وسر بنزوله عليه ، فجعل العراقي في كل يوم يبعث إلى عبد الله بطرف ، فقال عبد الله : جزى الله ضيفنا هذا خيرا ، قد ملأنا شكرا وما نقدر على مكافأته . فإنه لكذلك إلى أن دعاه عبد الله ، ودعا بعمارة في جواريه ، فلما طاب لهما المجلس وسمع غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في عجبه ، فلما رأى كذلك عبد الله سرّ به إلى أن قال : هل رأيت مثل عمارة ؟ قال : لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها ، وما تصلح إلا لك ، وما ظننت أن تكون في الدنيا مثل هذه الجارية ، حسن وجه ، وحسن عمل ، قال : فكم تساوي عندك ؟ قال : ما لها ثمن إلا الخلافة ، فقال : تقول هذا لتزين لي رأيي فيها وتجلب سروري ، قال له : يا سيدي ، والله إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجد ، وبعد فإنّي تاجر أجمع الدرهم على الدرهم طلبا للربح ، ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها ، فقال عبد الله : عشرة آلاف ؟ قال : نعم . ولم يكن في ذلك الزمان جارية تعرف بهذا الثمن . فقال له عبد الله : أنا أبيعكها بعشرة آلاف ، قال : قد أخذتها ، قال : هي لك ، قال : قد وجب البيع . وانصرف العراقي ، فلما أصبح عبد الله لم يشعر إلا بالمال قد وافى به ، فقيل لعبد الله : قد بعث العراقي بعشرة آلاف دينار وقال : هذا ثمن عمارة ، فردها وكتب إليه إنما كنت أمزح معك ، وإنما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها . فقال : جعلت فداك ، إن الجد والهزل في البيع سواء ، فقال له عبد الله : ويحك ما أعلم جارية تساوي ما بذلت ، ولو
--> [ 1 ] في ت : « من لطف » .