ابن الجوزي
207
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فطلبه فلم يجده ، فقال أصحابه : هيهات تريدون أن تقتلوا نبي الله ، إنه قد رفع إلى السماء ، قال : فطلبه في شق كان قد هيأه سربا ، فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا هو بثوبه ، فاجتره فأخرجه إلى خارج ، ثم قال للفرغانيين : اربطوه ، فربطوه . فبينا هم يسيرون على البريد إذ قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، فقال أهل فرغانة أولئك العجم : هذا كراننا فهات كرانك أنت ، فساروا به حتى أتي به عبد الملك ، فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت فصلبه ، وأمر بحربة وأمر رجلا فطعنه فأصاب ضلعا من أضلاعه فكفت [ 1 ] الحربة ، فجعل الناس يصيحون : الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح ، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين تناول الحربة ثم مشى إليه ، ثم أقبل يتحسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها فأنفذه فقتله . وروى أبو الربيع عن شيخ أدرك القدماء ، قال : لما حمل الحارث على البريد ، وجعلت في عنقه جامعة من حديد فجمعت يده إلى عنقه ، فأشرف على عقبة بيت المقدس تلى هذه الآية : * ( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي 34 : 50 ) * . فتقلقلت الجامعة ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض ، فوثب الحرس فأعادوها ، ثم ساروا به فأشرف على عقبة أخرى فقرأ آية فسقطت من رقبته فأعادوها ، فلما قدموا على عبد الملك حبسه وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويخوفوه ويعلموه أن هذا من الشيطان ، فأبى أن يقبل منهم . فصلب وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت ، فتكلم الناس وقالوا : ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل . ثم أتاه حرسي برمح دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه فأنفده . قال مؤلف الكتاب [ 2 ] : وسمعت من قال : قال / عبد الملك للذي ضربه بالحربة فانثنت : أذكرت الله حين طعنته ؟ قال : نسيت ، قال : فاذكر الله . ثم اطعنه ، وطعنه فأنفذها .
--> [ 1 ] في معجم البلدان : « فكاعت الحربة » . [ 2 ] « قال مؤلف الكتاب » : ساقطة من ت .