ابن الجوزي

205

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

غيّا ، فكتب إليه : يا بني ، أقبل على ما أمرت به إن الله يقول : * ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى من تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ 26 : 221 - 222 ) * [ 1 ] ولست بأفاك ولا أثيم ، فامض لما أمرت به ، وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلا رجلا ، فيذاكرهم أمره . ويأخذ عليهم العهد والميثاق إن هو رأى ما يرضي قبل ، وإلا كتم عليه ، وكان يريهم الأعاجيب ، كان يأتي إلى رخامة [ في ] المسجد فينقرها بيده فتسبح . وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء ويقول : اخرجوا حتى أريكم الملائكة ، فيخرجهم إلى دير المرّان ، فيريهم رجالا على خيل . فتبعه بشر كثير ، وفشا الأمر وكثر أصحابه حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة [ 2 ] [ فعرض على القاسم ، وأخذ عليه العهد والميثاق إن رضي أمرا قبله ، وإن كره كتم عليه ] [ 3 ] فقال له : إني نبي ، فقال القاسم : كذبت يا عدو الله ، فقال له أبو إدريس : بئس ما صنعت ، إذ لم تلين له حتى نأخذه ، الآن يفر وقام [ القاسم ] [ 4 ] من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فأعلمه بأمره ، فبعث عبد الملك [ 5 ] في طلبه فلم يقدر عليه ، وخرج عبد الملك حتى نزل الصّبيرة [ 6 ] واتهم عامة عسكره بالحارث أن يكونوا يرون رأيه ، وخرج الحارث حتى أتى بيت المقدس فاختفى فيه ، وكان أصحابه يخرجون فيلتمسون الرجال ، فيدخلونهم عليه ، وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس فدخل على الحارث فأخذ في التحميد ، ثم أخبره بأمره وأنه نبي مبعوث / مرسل ، فقال له : إن كلامك لحسن ولكن في هذا نظر . قال : فانظر . فخرج البصري ثم عاد إليه فرد عليه كلامه ، فقال : إن كلامك لحسن ، قد وقع في قلبي وقد آمنت بك وهذا الدين المستقيم ، فأمر ألا يحجب ، فأقبل البصري يتردد إليه ويعرف مداخلة ومخارجه وأين يهرب حتى إذا صار أخص الناس به . ثم قال له : ائذن لي ، قال : إلى أين ؟ قال : إلى البصرة أكون أول داعية لك بها ، فأذن له .

--> [ 1 ] سورة : الشعراء ، الآية : 221 ، 222 . [ 2 ] في الأصل : « إلى الحارث بن مخيمرة » . وما أوردناه من ت ، وهو يوافق ما في المراجع . [ 3 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول ، أوردناه من معجم البلدان . [ 4 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 5 ] « فأعلمه بأمره فبعث عبد الملك » : ساقط من ت . [ 6 ] في الأصل : « فنزل ضمير » خطأ . والتصحيح من الله ومعجم البلدان .