ابن الجوزي
177
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ولا والَّذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئا حتى فرق الموت بيني وبينه . قال : ثم قالت : ثم لم يلبث أن خرج في غزاة له وأوصى إلى ابن عم له : إذا أتيت الحاضر من بني عبادة فناد بأعلى صوتك : عفا الله عنها هل أبيتن ليلة من الدهر لا يسري إليّ خيالها فخرجت وأنا أقول : وعنه عفى ربي وأحسن حاله فعز علينا حاجة لا ينالها قال : ثم قالت : ثم لم يلبث أن مات ، فأتانا نعيه . قال : فأنشدينا بعض ما أتاك فيه ، فأنشدت تقول : أتتك العذارى من خفاجة نسوة بماء شؤون العبرة المتحادر كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ قلائص ينفجن الحصى بالكراكر فأنشدته ، فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسيّ ، وكان من جلساء الحجاج : من هذا الَّذي تقول هذه فيه ، والله إني لأظنها كاذبة ، فنظرت إليه ثم قالت : أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسره ألا يكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه . قال الحجاج : هذا وأبيك الجواب ، وقد كنت عن هذا غنيا ، ثم قال لها : سلي يا ليلى تعطي ، قالت : أعط فمثلك أعطى فأحسن . قال : لك عشرون ، قالت : زد فمثلك زاد / فأجمل . قال : لك أربعون . قالت : زد فمثلك زاد فأفضل ، قال : لك ستون ، قالت : زد فمثلك زاد فأكمل ، قال : لك ثمانون ، قالت : زد فمثلك زاد فتمم ، قال : لك مائة واعلمي [ يا ليلى ] [ 1 ] : أنها غنم ، قالت : معاذ الله أيها الأمير أنت أجود جودا ، وأمجد مجدا ، وأورى زندا من أن تجعلها غنما ، قال : فما هي ويحك يا ليلى ؟ قالت : مائة ناقة برعاتها . فأمر لها بها . ثم قال : ألك حاجة بعدها ؟ قالت : تدفع إلي النابغة الجعديّ في قرن ، قال : قد فعلت ، وقد كانت تهجوه ويهجوها ، فبلغ النابغة ذلك ، فخرج هاربا ، عائذا بعبد الملك ، فاتبعته إلى الشام ، فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان ، فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة ، فماتت بقومس .
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت .