ابن الجوزي

160

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

إنما أنتم أهل * ( قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً [ من كُلِّ مَكانٍ ] [ 1 ] فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله ، فَأَذاقَهَا الله لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ 16 : 112 ) * [ 2 ] ، وآتاها وعيد القرى من ربها بسوء ما كسبت أيديهم ألا إن الأمور إذا استقرت لا يدركها إلا كل ذي لب برأيه ، وإن خير الرأي ما هدى الله به العبد ، وراقبوا الله واعتصموا بحبله ، وأعطوا القياد خلفاءكم وأمراءكم من قبل زوال النعمة ، ولا تكونوا كالذين لا يعقلون ، * ( ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ 7 : 177 ) * [ 3 ] ، فليعقل من كان له معقول ، فقد أعذر من أنذر ، فقد والله حلت بكم بائقة فيها بوائق تتلوها سطوة من سطوات الله تجتاح الأموال ، وتهريق الدماء ، ثم لا تستطيعون عند ذلك غبرا ، ولا تبدلون نعما . لا تغروني يا قوم بكم ، ولا تسهروني بعد رقدتي ، فإنّي / راض بما صفا لي منكم من علانيتكم ، ما لم تكن حيلة في سواد هذه الدهماء ، ولا تحملوني على أكتافكم بأحجاركم في رقابتكم ، وفي كل يوم ما الخبر ، إن الحجاج ذو حسام باتر تجتلى به الأوصال ، فكم له في كل حي من حرز إلا من استوثقت لنا طاعته ، وخلصت لنا مودته ، ودامت لنا مقته ، فذاك منا ونحن منه ، فأما من ركب الترهات وأخذ في النية بعد النية ، فهيهات هيهات يا هيهات لأهل المعاصي والنفاق ، ألا ترهبون ، ويحكم أن تغير عليكم الخيل الملجمة فتترككم أمثال الرقاق المنتفخة المستوسقة الشائلة بأرجلها ، ألا وإنّ نصلي سبك من دماء [ أهل ] العراق ، فمن شاء فليحقن دمه ، ومن أبى أوسعت بالوعة الموت دمه ، وفتتت للسباع لحمه ، وقامت الرخم على شلوه ، وضعت الدعارع بعجمه ، فمهلا يا أهل العراق مهلا ، فإن تميلي بقرن الصعاب ، وبذل الرقاب ، ولو قل العقاب وتستقل الحروب ، ألم تعلموا أني في الحروب ولدت ، وفيها تلدت ، وفيها فطمت ، وفيها قطعت تمائمي ، وبليت نواجذي ، وصلع رأسي ، أفأنتم تجلجونني أن يكون ذلك حتى يجلجل صم الصناخيد التي هي للأرض أوتاد ، وإني قد سست وساسني السائسون ، وأدبني المؤدبون .

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 2 ] إشارة إلى الآية الكريمة 112 ، من سورة النحل . [ 3 ] إشارة إلى الآية الكريمة 177 ، من سورة الأعراف .