ابن الجوزي
106
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال : فسألتهم عنه ، فقالوا : هذا قيس الَّذي يقال له المجنون ، خرج به أبوه لما بلي به يستجير له ببيت الله الحرام وقبر محمد عليه السلام فلعل الله أن يعافيه . قال : فقلت لهم : فما لكم تمسكونه ؟ / قالوا : نخاف أن يجني على نفسه جناية تتلفه . قال : وهو يقول : دعوني أتنسم صبا نجد ، فقال لي بعضهم : ليس يعرفك [ 1 ] ، لو شئت دنوت منه فأخبرته أنك قدمت من نجد ، وأخبرته عنها ، قلت : نعم أفعل ، فدنوت منه ، فقالوا : يا قيس ، هذا رجل قدم من نجد . قال : فتنفس حتى ظننت أن كبده قد تصدعت ، ثم جعل يسائلني عن موضع موضع وواد واد ، وأنا أخبره وهو يبكي ، ثم أنشأ يقول : ألا حبذا نجد وطيب ترابه وأرواحه إن كان نجد على العهد أخبرنا ابن ناصر بإسناد له عن زياد بن الأعرابي ، قال : لما تشبث المجنون بليلى واشتهر بحبها [ 2 ] اجتمع إليه أهلها فمنعوه من محادثتها وزيارتها وتهددوه وتوعدوه بالقتل ، وكان يأتي امرأة فتعرف [ له ] [ 3 ] خبرها ، فنهوا تلك المرأة عن ذلك ، فكان يأتي غفلات الحيّ في الليل ، فلما كثر ذلك خرج أبو ليلى ومعه نفر من قومه إلى مروان بن الحكم فشكوا إليه ما ينالهم من قيس بن الملوح ، وسألوه الكتاب إلى عامله بمنعه من كلام ليلى ، ويتقدم إليه في ترك زيارتها ، فإذا أصابه أهلها عندهم فقد أهدر دمه . فلما ورد الكتاب على عامله بعث إلى قيس وأبيه وأهل بيته ، فجمعهم وقرأ عليهم كتاب مروان ، وقال لقيس : اتّق الله في نفسك لا تذهب دمك هدرا ، فانصرف قيس وهو يقول : ألا حجبت ليلى وآلى أميرها عليّ يمينا جاهدا لا أزورها وواعدني [ 4 ] فيها رجال أبوهم أبي وأبوها خشّنت لي صدورها على غير شيء [ 5 ] غير أني أحبها وأن فؤادي عند ليلى أسيرها [ 6 ]
--> [ 1 ] في الأصل : « لعله يعرفك » وما أوردناه من ت . [ 2 ] في ت : « نسب المجنون بليلى ، وشهر بحبها » . [ 3 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 4 ] في الأغاني : « وأوعدني » . [ 5 ] في الأغاني : « على غير جرم » . [ 6 ] في الأغاني : « وإن فؤادي رهنها وأسيرها » .