ابن الجوزي

258

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

أياما ، وأراد عمر الحج ، فخرج معه ، وكان الناس يتعجبون من هيئته ، فبينا هو يطوف بالبيت وطئ رجل من بني فزارة إزاره من خلفه فانحل ، فرفع يده فهشم أنف الفزاري ، فمضى يستعدي عمر عليه ، فبعث إليه ، فأتى فقال : هشمت أنف الرجل ؟ قال : نعم ، اعتمد حل إزاري ، ولولا حرمة الكعبة لضربت بالسيف بين عينيه ، فقال عمر : أما أنت فقد أقررت ، فإما أن ترضي الرجل وإلا أقدته منك ، قال : أو خطر هو لي ؟ قال : نعم ، قال : كيف وأنا ملك وهو سوقة ؟ قال عمر : الإسلام جمعكما ، قال : والله لقد ظننت أني أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية ، قال عمر : هو ما ترى ، فقال : إذن أتنصر ، قال : إن فعلت قتلتك . واجتمع من حي الفزاري وحي جبلة على باب عمر خلق كثير ، فقال : أنا انظر في هذا الأمر ليلتي هذه . فانصرف إلى منزله ، فلما أدلهم الليل تحمل بأصحابه إلى الشام في خمسمائة حتى دخل القسطنطينية في زمن هرقل ] [ 1 ] فتنصر وقومه فأقطعه هرقل ما شاء ، وأجرى عليه ما شاء وجعله من سماره . فمكث دهرا ثم كتب عمر إلى هرقل كتابا وبعثه مع رجل من أصحابه ، فأجاب هرقل بما أراد عمر ، ثم قال للرجل : هل لقيت ابن عمك جبلة ؟ قال : لا ، قال : فالقه قال : فأتيته ، فما إخالني رأيت ثياب هرقل من السرور والبهجة ما رأيت من ثياب جبلة ، فاستأذنت ، فأذن وقام ورحب بي عانقني وعاتبني في ترك النزول عليه ، فإذا هو في بهو عظيم من التماثيل والهول مالا أحسن أصفه وهو على سرير من ذهب ، له أربع قوائم رأسه من ذهب ، وإذا هو رجل أصهب ذو سبال ، وإذا هو قد أمر بالذهب الأحمر فسحل فذر في لحيته ، واستقبل عين الشمس ثم أجلسني على كرسي من ذهب ، فلما تبينته انحدرت عنه وقلت إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن هذا ، وسألني عن الناس وألحف في السؤال عن عمر ، ثم عرفت الحزن فيه ، فقلت : ما يمنعك من الرجوع إلى قومك والإسلام ؟ قال : بعد الَّذي كان ؟ قلت : نعم ، قد كان الأشعث بن قيس ارتد وضربهم بالسيوف ومنعهم الزكاة ثم دخل في الإسلام ، وزوّجه أبو بكر الصديق أخته ، فقال : دع هذا عنك ، ثم أومأ إلى وصيف قائم على رأسه فولى ، فما شعرنا إلا بالصناديق يحملها الرجال ، فوضعت أمامنا مائدة من ذهب فاستعفيت منها ، فأتى بمائدة خلنج ، فوضعت أمامي

--> [ 1 ] إلى هنا انتهى السقط من الأصل الَّذي سبق التنبيه عليه .