ابن الجوزي

173

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

عليّ ، فقال : والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل عليّ ، فلك ما سألت ، قالت : إني أطلب لك من يسند ظهرك ويساعدك على أمرك ، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له : « وردان » فكلمته ، فأجابها ، فأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له : شبيب بن بجرة [ 1 ] ، فقال له : هل لك في شرف الدنيا والآخرة ؟ فقال : وما ذاك ؟ قال : قتل عليّ ، قال : ثكلتك أمك ، لقد جئت شيئا فريا إذا ، كيف تقدر على عليّ ؟ قال : أكمن له في المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه ، فإن نجونا بأنفسنا وأدركنا ثأرنا ، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها ، قال : ويحك لو كان غير عليّ أهون عليّ ، قد عرفت بلاءه في الإسلام ، / وسابقته مع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، وما أجدني أنشرح صدرا 70 / ب لقتله . قال : أتعلم أنه قتل أهل النهر العباد المصلين [ 2 ] ، قال : بلى ، قال : فنقتله بمن قتل من إخواننا ، فأجابه ، فجاؤوا قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة ، فقالوا : قد اجتمع رأينا على قتل عليّ ، قالت : فإذا أردتم ذلك فأتوني ، فعادوا ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها عليّ ، فقال : هذه الليلة التي واعدت فيها أن يقتل كل واحد منا صاحبه ، فأخذوا أسيافهم ووقفوا مقابل السدة التي يخرج منها عليّ رضي الله عنه ، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف ، فوقع سيفه في الطاق ، وضربه ابن ملجم بالسيف . وهرب وردان حتى دخل منزله ، فدخل عليه رجل ، فقال : ما هذا السيف ، فأخبره فقتله ، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس ، وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت - يقال له عويم - وفي يد شبيب السيف ، فأخذه ، فلما رأى الناس قد أقبلوا وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه ونجا بنفسه ، ونجا شبيب في غمار الناس ، فشدوا على ابن ملجم ، فأخذوه . وتأخر عليّ ودفع في ظهر جعدة بن هبيرة بن أبي وهب ، فصلى بالناس الغداة ، ثم قال عليّ رضي الله عنه : عليّ بالرجل ، فأدخل عليه فقال : أي عدو الله ، ألم أحسن إليك ؟ قال : بلى ، قال : فما حملك على هذا ؟ قال : شحذت سيفي هذا أربعين صباحا ، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه ، فقال : لا أراك إلا مقتولا به ، ولا أراك إلا من شر خلق الله .

--> [ 1 ] في الأصل : « نحره » هكذا بدون نقط . [ 2 ] في الطبري : « العباد المصلين » .