ابن الجوزي

133

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فاجتمع معه ثمانية وستون ألفا ، فلما سمع الناس خبر هؤلاء قالوا : لو سار بنا إلى هؤلاء فبدأنا بهم [ 1 ] ثم وجهنا إلى المحلَّين [ 2 ] ، فبلغه قولهم ، فقال : إن غير هؤلاء أهم إلينا ، فسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ، فقالوا : سر بنا حيث أحببت . فلما بلغه قتلهم عبد الله بن خباب بعث إليهم الحارث بن مرة العبديّ ليأتيه بخبرهم ، فلما دنا منهم يسألهم قتلوه . فأتى الخبر عليّا ، فقام الناس / إليه ، فقالوا : يا 53 / أأمير المؤمنين ، علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا ، سر بنا إلى القوم ، فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام . فنادى بالرحيل وخرج ، ثم بعث إليهم : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ، ثم نكف عنكم ، واخرجوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم ، فبعثوا إليه كلنا قتلهم ، وكلنا نستحل لدمائهم ودمائكم . وفي رواية أخرى [ 3 ] أن عليّا أتاهم فوقف عليهم ، فقال : أيتها العصابة التي أخرجتها اللجاجة ، وصدها عن الحق الهوى ، إني نذير لكم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر ، تلفيكم الأمة غدا بغير بينة من ربكم [ 4 ] ، وإن الحكمين اختلفا وخالفا كتاب الله والسنة ، فنبذنا أمرهما ونحن على الأمر الأول ، فما الَّذي بكم ؟ ومن أين أتيتم ؟ فقالوا : إنا لما حكمنا أثمنا وكلنا بذلك كافرين وقد تبنا قال : إذا تبت كما تبنا ، فنحن منك وإلا فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء ، فقال علي رضي الله عنه : أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر [ 5 ] ، أبعد إيماني برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر ، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين .

--> [ 1 ] في ت : « هؤلاء فبدأ بهم » . [ 2 ] المحل : الَّذي نقض العهد ، وفي ابن الأثير والنويري : « إلى قتال المحلين » . [ 3 ] تاريخ الطبري 5 / 84 . [ 4 ] في تاريخ الطبري : « تلفيكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط ، بغير بينة من ربكم » . [ 5 ] يقال ما بالدار وابر ، أي : ما بالدار أحد .