ابن الجوزي

127

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

شهدهم نفر من قريش ، فاشهدهم فإنك صاحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأحد أهل الشورى ، وأنت أحق بالخلافة ، فقال : لا أفعل ، إني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : « إنه تكون فتنة خير الناس فيها الخفي التقي » . والتقى الحكمان ، فقال عمرو بن العاص : يا أبا موسى ، أرأيت أول ما يقضى به من الحق أن يقضى لأهل الوفاء بوفائهم ، وعلى أهل الغدر بغدرهم ، قال : وما ذاك ؟ قال : ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وافوا وقدموا للموعد ؟ قال : بلى ، قال عمرو : اكتبها ، فكتبها أبو موسى ، قال : ألست تعلم أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما ؟ قال : أشهد ، قال : أفلست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه ؟ قال : بلى ، قال : فإن الله عز وجل قال : * ( ومن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّه سُلْطاناً 17 : 33 ) * [ 1 ] ، فما يمنعك من معاوية وليّ عثمان ، وبيته في قريش كما قد علمت ، فإن قال الناس ليس له سابقة فلك حجة ، وهي أن تقول : إني وجدته ولي عثمان المظلوم ، والطالب بدمه ، وقد صحبت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقال : إني لم أكن لأوليه ، وأدع المهاجرين الأولين والأنصار ، ولو خرج لي من سلطانه ما كنت لأرتشي في حكم الله ، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب . فأبى عمرو وقال : أخبرني عن رأيك ، قال : رأيي أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين ، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا ، فقال له عمرو : فإن الرأي ما رأيت ، فأقبلا إلى الناس فقال عمرو : يا أبا موسى أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع ، فتكلم أبو موسى فقال : رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة ، فقال عمرو : صدق وبرّ ، يا أبا موسى ، تقدم فتكلم . فتقدم أبو موسى ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال له : ويحك ، والله إني لأظنه قد خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك قبلك ، فإنّي لا آمن أن يخالفك ، فقال : إنا قد اتفقنا . فتقدم أبو موسى ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم / لشعثها من أمر قد اجتمع عليه رأيي ورأي 50 / ب عمرو ، وهو أن نخلع عليّا ومعاوية ، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر ، فيولوا منهم ما أحبوا

--> [ 1 ] سورة : الإسراء ، الآية : 33 .