ابن الجوزي

109

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه ، فقال : يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم ، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما ، وإن من أكبر همي لديني ، أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئا ؟ ثم قال : يا بني بع واقض ديني وأوص بالثلث ، فإن فضل من مالنا من بعد قضاء الدين شيء فثلثه لولدك . وله يومئذ تسع بنات ، قال : فجعل يوصيني بدينه ويقول : يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي . قال : فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت : يا أبه ، من مولاك ؟ قال : الله ، فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت : يا مولى الزبير اقض عنه دينه ، فيقضيه . قال : وقتل الزبير ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين فيهما الغابة ، وإحدى عشرة دارا بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، ودارا بالكوفة ، ودارا بمصر . قال : / وإنما كان دينه الَّذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه ، 42 / أفيقول الزبير : لا ، ولكن هو سلف ، إني أخشى عليه الضيعة ، وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجا ولا شيئا إلا أن يكون في غزو مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم . قال عبد الله بن الزبير : فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف ، فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير ، فقال : يا ابن أخي كم على أخي من الدين ؟ قال : فكتمته وقلت مائة ألف ، فقال حكيم : والله ما أرى أموالكم تتسع لهذه ، فقال عبد الله : أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف ؟ قال : ما أراكم تطيقون هذا ، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي ، وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف ، فباعها عبد الله بن الزبير بألف ألف وستمائة ألف ، ثم قام فقال : من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة ، فأتاه عبد الله بن جعفر - وكان له على الزبير أربعمائة ألف - فقال لعبد الله بن الزبير : إن شئتم تركتها لكم وإن شئتم فأخروها فيما تؤخرون ، إن أخرتم شيئا ، فقال عبد الله بن الزبير : لا ، قال : فاقطعوا لي قطعة ، فقال له عبد الله : لك من هاهنا إلى ها هنا ، قال : فباعه منها بقضاء دينه ، فأوفاه وبقي منها أربعة أسهم ونصف . قال : فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة ، قال : فقال له معاوية : كم قومت الغابة ؟ قال : كل سهم مائة ألف ، قال : كم بقي ؟ قال :