ابن الجوزي
102
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
يبدؤك حتى تدعوهم وتسمع قولهم ، واجعل على ميمنتك زيادا وعلى ميسرتك شريحا ، وقف من أصحابك وسطا ، فإنّي حثيت السير في أثرك إن شاء الله تعالى . وكتب إليهما [ 1 ] : إني قد أمرت عليكما مالكا ، فاسمعا له وأطيعا . وقدم الأشتر على القوم ، وكف عن القتال حتى إذا كان المساء حمل عليهم أبو الأعور ، فثبتوا له ، واضطربوا له ساعة ، ثم انصرف أهل الشام ، ثم خرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة الزهري في خيل ورجال ، فاقتتلوا يومهم ذلك ، وحمل عليهم الأشتر فقتل عبد الله بن المنذر التنوخي ، وحجز الليل بينهم [ 2 ] ، فلما أصبحوا انصرف أهل الشام تحت الليل ، فقدم الأشتر بمن معه ، ولحقه عليّ ، فأمر الناس فوضعوا الأثقال وذهب شباب الناس يستقون [ 3 ] الماء ، فمنعهم أهل الشام فاقتتلوا على الماء ، وكان معاوية قد اختار موضعا سهلا إلى جانب شريعة في الفرات ، ليس ثمة غيرها ، فجاء أصحاب عليّ فأخبروه بعطش الناس ، وإنهم لم يجدوا غير شريعة القوم ، فقال : قاتلوهم عليها ، فقال الأشعث بن قيس : أنا أسير إليهم ، فقال عليّ : سر . فسار في أصحابه ، فثاروا في وجوههم ، فتراموا بالنبل ، وتطاعنوا بالرمح ، واجتلدوا بالسيوف ، وأتى أهل الشام يزيد بن أسد البجلي مددا ، وخرج عمرو بن العاص في جند كثير يمد أبا الأعور ويزيد بن أسيد ، وجاء الأشتر يمد الأشعث بن قيس ، وشبث بن ربعي ، فاشتد القتال ، وأنشأ عبد الله بن عوف الأزدي مرتجزا يقول : 39 / ب / خلَّوا لنا ماء الفرات الجاري أو أثبتوا لجحفل جرّار لكلّ قوم [ 4 ] مستميت شاري مطاعن برمحه كرّار ضرّاب هامات العدا مغوار وأتى مملوك لبعض أهل العراق فملأ قربته فشد عليه رجل من أهل الشام فضربه فصرعه ، ثم أن القوم خلوا عن الماء فاجتمعت سقاة الفريقين عليه ، وبعث عليّ رضي
--> [ 1 ] في الأصل : « وكتب شريح وزياد » . [ 2 ] في الأصل : « وحجز الظلام بينهم » . [ 3 ] في الأصل : « وذهب شباب القوم » . [ 4 ] في الأصول : « لكل قرن » .