ابن الجوزي

286

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند ، فحمل كسرى على برذون ، وقنّع رأسه ، وسير به إلى تلك الدار ومعه ناس من الجند ، فمروا به على إسكاف [ جالس ] [ 1 ] في حانوت على الطريق ، فعرفه فحذفه بقالب ، فعطف إليه رجل من الجند فضرب عنقه . وقال شيرويه لرجل [ 2 ] : انطلق إلى الملك أبينا فقل له : إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ولا أحد من رعيتنا سببا ، ولكن الله قضاها عليك جزاء لسيّئ عملك وفتكك بأبيك هرمز ، وإزالتك الملك عنه ، وسملك عينيه ، وقتلك إياه شر قتلة ، ومنها سوء صنيعك إلى أبنائك ، ولقد حظرت علينا مجالسة الأخيار ، وكل من لنا فيه دعة وغبطة . ومنها إساءتك إلى أهل السجون فلقوا الشدائد ، ومنها حبسك النساء لنفسك مكرهات مع ترك العطف عليهنّ ، ومنها ما انتهكت من رعيتك في أمر الخراج وجمعك الأموال من وجوه المضار ، وعدد عليه من هذا الفن ، ثم قال : فإن كانت لك حجة فاذكرها ، وإلا فتب إلى الله تعالى حتى نأمر فيك بأمرنا . فمضى الرجل ، فاستأذن عليه / الحاجب ، فقال كسرى : إن كان له اذن فليس لشيرويه ملك ، وإن كان لشيرويه ملك فلا إذن لنا معه . فدخل الرجل فبلغ الرسالة ، وكانت بيد أبرويز سفرجلة فتدحرجت وتلوثت بالتراب ، فقال كسرى : الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في إقباله ، وإذا أقبل أعيت الحيلة في إدباره ، فإن هذه السفر جلة سقطت من علو ثم لم تلبث أن تلطخت بالتراب ، وفي ذلك دليل على سلب الملك ، فإنه لا يلبث في أيدي عقبنا حتى يصير إلى من ليس من أهل المملكة . فلما سمع الرسالة ، قال : بلغ عني شيرويه القصير العمر أنه لا ينبغي [ لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب ، ولا اليسير من السيئة ] [ 3 ] إلا بعد تحقق ذلك عنده ، ثم أخذ يعتذر عن ما نسب إليه . فعاد بالجواب ، فعاد عظماء الفرس تقول : لا يستقيم لنا ملكان ، فأمر شيرويه بقتل

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل . [ 2 ] في أ : « فقال شيرويه لبعض أصحابه » . [ 3 ] في الأصل : « لا ينبغي أن يذكر أحد لأحد سيئة » .