ابن الجوزي

283

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويكف عنك به ، وإن أبيت فهو من قد علمت ، فهو مهلكك ومهلك قومك ، ومخرب ديارك . وكانا قد دخلا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما ، فكره النظر إليهما ، وقال : « ويلكما ، من أمركما بهذا ؟ » قالا : أمرنا بهذا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي « . ثم قال لهما : » ارجعا حتى تأتياني غدا « . وأتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخبر [ من السماء ] [ 1 ] : أن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه ، فقتله في شهر كذا وكذا من ليلة كذا وكذا من الليل . فلما أتيا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لهما : » إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا وكذا من شهر كذا وكذا بعد ما مضى من الليل ، سلط عليه ابنه شيرويه فقتله ، فقالا : هل تدري ما تقول ، إنا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا ، أفنكتب بها عنك ، ونخبر الملك . قال : نعم أخبراه ذلك عني ، وقولا له : إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى ، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر ، قولا له : إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الأبناء ، ثم أعطى خرّ خسره منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك . فخرجا من عنده حتى قدما على باذان ، فأخبراه الخبر ، فقال : والله ما هذا بكلام ملك وإني لأرى الرجل نبيا / كما يقول ولتنظرن ما قد قال ولئن كان ما قد قال حقا ما فيه كلام إنه لنبي مرسل وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا . فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه : « أما بعد ، فإنّي قد قتلت أبي كسرى ، ولم أقتله إلا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم [ 2 ] ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك ، وانظر الرجل الَّذي كان كسرى كتب إليك فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه . فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان ، قال : إن هذا الرجل لرسول الله ، فأسلم الأبناء من فارس من كان منهم باليمن [ 3 ]

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل . [ 2 ] في الأصل : وتجهيزهم في بعوثهم وما أوردناه من الطبري . [ 3 ] تاريخ الطبري 2 / 654 .