ابن الجوزي

236

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

ديارهم - يعني بني النضير - فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهنا فلا تدفعوا إليهم أحدا واحذروهم ، ثم أتى غطفان ، فقال لهم مثل ذلك ، وكان رجلا منهم فصدقوه ، وأرسلت قريظة إلى قريش : إنا والله ما نخرج فنقاتل محمدا صلَّى الله عليه وسلَّم حتى تعطونا رهنا منكم [ يكونون ] عندنا ، فإنا نتخوف أن تنكشفوا وتدعونا ومحمدا ، فقال أبو سفيان : صدق نعيم . وأرسلوا إلى غطفان بمثل ما أرسلوا إلى قريش ، فقالوا لهم مثل ذلك ، وقالوا جميعا : إنا والله ما نعطيكم رهنا ولكن أخرجوا فقاتلوا معنا . فقالت اليهود : نحلف بالتوراة أن الخبر الَّذي قال نعيم لحقّ ، وجعلت قريش وغطفان يقولون : الخبر ما قال نعيم ، ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء ، وهؤلاء من نصر هؤلاء . واختلف أمرهم وتفرقوا في كل وجه ، وكان نعيم يقول : أنا خذلت بين الأحزاب حتى تفرقوا في كل وجه ، وأنا أمين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على سره [ 1 ] . قال علماء السير : فلما استوحش كل فريق من صاحبه ، اعتلَّت قريظة بالسبت ، فقالوا : لا نقاتل ، وهبت ليلة السبت ريح شديدة ، فقال أبو سفيان : يا معشر قريش إنكم والله لستم بدار مقام ، لقد هلك الخفّ والحافر ، وأجدب الجناب وأخلفتنا بنو قريظة ، و [ لقد ] لقينا من الريح ما ترون فارتحلوا فإنّي مرتحل ، فأصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وليس بحضرته أحد من العساكر قد انقشعوا ، فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حذيفة لينظر ما فعل القوم . فروى / مسلم في إفراده من حديث إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي ، عن أبيه ، قال : كنا عند حذيفة ، فقال رجل : لو أدركت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قاتلت معه وأبليت [ 2 ] ، فقال حذيفة : أنت كنت تفعل ذلك ، لقد رأيتنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر [ 3 ] ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم « ألا رجل يأتينا بخبر القوم ، جعله الله معي يوم القيامة » فسكتنا فلم يجبه أحد ، ثم قال : « ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة » فسكتنا ولم يقم قائم ، فقال : « قم يا حذيفة » فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي إلا أن أقوم ، قال : « اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ » [ 4 ] ، فلما وليت من عنده جعلت

--> [ 1 ] الخبر في طبقات ابن سعد 4 / 2 / 20 ، 21 . [ 2 ] أي : بالغت في نصرته . [ 3 ] القر : البرد . [ 4 ] أي لا تحركهم عليك ، فإنّهم إن أخذوك كان ضررا عليّ لأنك رسولي وصاحبي .