ابن الجوزي

222

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الَّذي كنت فيه ، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ . فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني / فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ، ثم الذكوانيّ قد عرّس من وراء الجيش ، فأدلج فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني ، وقد كان يراني قبل أن يضرب عليّ الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي فوالله ما كلمني كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته ، فوطئ على يدها فركبتها ، فانطلق يقود الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة ، فهلك من هلك في شأني ، وكان الَّذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول ، فقدمت المدينة ، فاشتكيت حين قدمنا شهرا والناس يفيضون في قول الإفك ، ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اللطف الَّذي كنت أعرف منه حين أشتكي ، إنما يدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيسلم فيقول : كيف تيكم ، فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت ، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ، وهو مبرزنا ، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه ، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا ، فانطلقت أنا وأم مسطح ، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة ، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئسما قلت تسبين رجلا قد شهد بدرا ؟ قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال ؟ قلت : وما ذا قال ؟ قالت : فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضا على مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، ثم قال : « كيف تيكم » ؟ قلت : أتأذن لي أن آتي أبويّ ؟ قالت : وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلها ، فأذن لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . فجئت أبوي فقلت لأمي : / يا أماه ما يتحدث الناس ، فقالت : أي بنية هوّني عليك ، فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ، ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، قالت : قلت : سبحان الله ، أو قد تحدث الناس بهذا ، قالت : فبكيت تلك الليلة