ابن الجوزي
205
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
الخروج وقدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكّة ، فقال له أبو / سفيان : إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي ببدر ، وقد جاء ذلك الوقت ، وهذا عام جدب ، وإنّما يصلحنا عام خصب ، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترئ علينا فنجعل لك عشرين فريضة يضمنها لك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة فتخذّل أصحاب محمد ، قال : نعم . ففعلوا وحملوه على بعير ، فأسرع السّير ، وقدم المدينة فأخبرهم بجمع أبي سفيان لهم وما معه من العدة والسلاح . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « والَّذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معي أحد » . واستخلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة عبد الله بن رواحة ، وحمل لواءه ، علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وسار معه ألف وخمسمائة ، والخيل عشرة أفراس ، وخرجوا ببضائع لهم وتجارات ، وكانت بدر الصغرى [ 1 ] مجتمعا يجتمع فيه العرب وسوقا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه ، ثم يتفرق الناس إلى بلادهم ، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة ، وقامت السوق صبيحة الهلال ، فأقاموا بها ثمانية أيام وباعوا تجاراتهم وربحوا للدرهم درهما ، وانصرفوا وقد سمع الناس بمسيرهم ، وخرج أبو سفيان من مكة في قريش وهم ألفان ومعه خمسون فرسا ، حتى انتهوا إلى مجنّة - وهي وراء الظهران - ثم قال : ارجعوا فإنّه لا يصلحنا إلا عام خصب نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن ، وهذا عام جدب ، فسمى أهل مكة ذلك الجيش جيش السّويق ، يقولون : خرجوا يشربون السّويق ، فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان : قد نهيتك أن تعد القوم ، وقد اجترأوا علينا ورأونا قد أخلفناهم ، ثم أخذوا في الكيد والتهيؤ لغزاة الخندق . أخبرنا محمد بن أبي طاهر ، قال : أخبرنا الحسين بن علي الجوهري ، قال : أخبرنا أبو عمرو بن حيويه ، قال : أخبرنا أحمد بن معروف الخشاب ، قال : أخبرنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : أخبرنا محمد بن سعد ، قال : أخبرنا حجاج بن محمد ، عن ابن / جريح ، عن مجاهد : * ( الَّذِينَ قال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً 3 : 173 ) * [ 2 ] . قال : هذا أبو سفيان قال يوم أحد : يا محمد موعدكم بدر
--> [ 1 ] في طبقات ابن سعد : « وكانت بدر الصفراء » . [ 2 ] سورة : آل عمران ، الآية : 173 .