ابن الجوزي

108

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

وفي يده قدح [ 1 ] يعدل به القوم ، فمرّ بسواد بن غزيّة وهو / مستنتل [ 2 ] من الصف ، فطعن في صدره بالقدح [ 3 ] ، وقال : « استويا سواد » فقال : يا رسول الله ، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق ، فأقدني [ 4 ] . فكشف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن بطنه وقال : « استقد » فاعتنقه وقبّل بطنه فقال : « ما حملك على هذا يا سواد » . فقال : حضر ما ترى ، فلم آمن القتل ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك . فدعا له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . ثم عدّل الصفوف ، ورجع إلى العريش يناشد ربه وما وعده من النّصر ، فخفق [ 5 ] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في العريش خفقة ثم انتبه فقال : « يا أبا بكر ، أتاك نصر الله ، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النّقع » [ 6 ] . ثم خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [ إلى الناس ] [ 7 ] يحرضهم ونفل كلّ امرئ منهم ما أصاب ، وقال : « والَّذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة » . فقال عمير بن الحمام - وفي يده تمرات يأكلهن : بخ بخ [ 8 ] ، فما بيني وبين [ أن أدخل ] [ 9 ] الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ! ثم قذف التّمرات من يده ، وأخذ سيفه ، فقاتل القوم حتى قتل [ 10 ] ، وهو يقول : ركضا إلى الله بغير زاد إلَّا التّقى وعمل المعاد والصّبر في الله على الجهاد وكلّ زاد عرضة النّفاد غير التّقى والبرّ والرّشاد

--> [ 1 ] القدح : السهم . [ 2 ] في الأصل : « متبتل » ، وما أوردناه من أ ، والطبري ومستنتل : متقدم . وقال ابن هشام : « يقال مستنصل » [ 3 ] في الطبري : « فطعن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في بطنه بالقدح » . [ 4 ] أقدني : أي اقتص لي من نفسك . [ 5 ] خفق : نام نوما عميقا . [ 6 ] النقع : التراب . [ 7 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، وأوردناه من أ ، والطبري [ 8 ] بخ ، بكسر الخاء وإسكانها كلمة تقال للإعجاب . [ 9 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، وأوردناه من أ ، والطبري . [ 10 ] الخبر إلى هنا في سيرة ابن هشام 1 / 627 ، وهو أيضا في الأغاني 4 / 192 ، 193