ابن الجوزي
382
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وأعلم بما عابوا عليهم . فقال بطارقته : صدقوا فأسلمهم إليهما . فغضب النجاشي وقال : لا وأيم الله ، إذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاورني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولان سلمتهم إليهما ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني . ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فدعاهم ] [ 1 ] فلما أن جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ فقالوا : نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن ، فلما جاؤه وقد دعي النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم ، فقال : ما هذا الدين الَّذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين آخر من هذه الأمم ؟ قالت : وكان الَّذي كلمه جعفر بن أبي طالب . فقال له : أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، يأكل القوي منا الضعيف ، وكنا على ذلك حتى بعث الله تعالى [ 2 ] إلينا رسولا منا نعرف صدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباءنا [ 3 ] من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن : الفواحش ، وقول الزور وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا : أن نعبد الله لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاءنا به [ 4 ] فعبدنا الله عز وجل وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرّمنا ما حرم الله علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدى علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان ، وأن يستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . قالت : فقال [ 5 ] لهم النجاشي : هل معك مما جاء
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 2 ] في ت : « عز وجل » . [ 3 ] في ت : « ما كنا فيه نحن وآباءنا نعبد من دونه » . [ 4 ] « واتبعناه على ما جاءنا به » سقط من ت . [ 5 ] في ت : « فقالت لهم » .