ابن الجوزي
314
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها [ 1 ] ، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك ، فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمّه له ، فأرسلت إليه في ذلك ، وقالت : أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك . فقال له أبو طالب : هذا رزق قد ساقه الله إليك ، فخرج مع غلامها ميسرة ، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدما بصرى من أرض الشام ، فنزلا في ظل شجرة فقال نسطور الراهب : ما نزل تحت هذه قط إلا نبيّ ، ثم قال لميسرة : أفي عينيه حمرة ؟ فقال : نعم ، لا تفارقه . قال : هو نبيّ ، وهو آخر الأنبياء . ثم باع سلعته ، فوقع بينه وبين رجل تلاح فقال له : احلف باللات والعزى . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما حلفت بهما قطَّ ، . وإنّي لأمرّ فأعرض [ 2 ] عنهما » فقال الرجل : القول قولك ، ثم قال لميسرة : هذا والله نبيّ تجده أحبارنا [ 3 ] منعوتا في كتبهم ، وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة ، واشتدّ الحرّ يرى ملكين يظلَّان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس ، فوعى ذلك كلَّه ميسرة ، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون ، ودخل مكة في [ 4 ] ساعة الظَّهيرة ، وخديجة في عليّة لها فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على بعيره ، وملكان يظلَّان عليه ، فأرته نساءها فعجبن لذلك ، ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخبرها بما ربحوا في تجارتهم ووجههم ، فسرّت بذلك ، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت فقال : قد رأيت [ 5 ] هذا منذ خرجنا من الشام ، وأخبرها بما قال الراهب نسطور ، وبما قال الآخر الَّذي خالفه في البيع . وكانت خديجة امرأة حازمة جادة شريفة ، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير ، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا ، وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا ، وكلّ قومها [ 6 ] كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك ، قد طلبوا [ ذلك ] [ 7 ]
--> [ 1 ] في الأصل : « يتجرون » . [ 2 ] في ت : « لأمر بهما فأعرض » . [ 3 ] في الأصل : « تجده في أخبارنا » . [ 4 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 5 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 6 ] في ت : « وكل قريش » . [ 7 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . وكذلك ليس في ابن سعد .