ابن الجوزي

263

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

الصبي في سنة . قالت : فبلغ سنتين وهو غلام جفر [ 1 ] . قالت : فقدمنا به على أمه ، فقلت لها ، وقال لها زوجي : دعي ابني فلنرجع به ، فإنا نخشى عليه وباء مكة . قالت : ونحن أضن شيء به لما رأينا من بركته صلى الله عليه وسلم . فلم نزل بها حتى قالت : ارجعي به . قالت : فمكث عندنا شهرين ، قالت فبينما هو يلعب يوما مع إخوته خلف البيت إذ جاء أخوه يشتد ، فقال لي ولأبيه : أدركا أخي القرشي فقد جاءه رجلان فأضجعاه فشقّا بطنه . قالت فخرجت وخرج أبوه يشتد نحوه ، فانتهينا إليه وهو قائم ممتقع لونه ، فاعتنقته واعتنقه أبوه وقال : مالك يا بني ؟ قال : أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني ، والله ما أدري ما صنعا . قالت : فاحتملناه ورجعنا به . قالت : يقول زوجي يا حليمة ، والله ما أرى الغلام إلا قد أصيب ، فانطلقي فلنرده إلى أمه قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه . قال : فرجعنا به إلى أمه . فقالت : ما ردّكما وكنتما حريصين عليه ؟ فقلنا : لا والله إلا أنا كفلناه وأدّينا الَّذي علينا من الحق فيه ثم تخوفنا عليه الأحداث ، فقلنا يكون عند أمه . قالت : والله ما ذاك بكما ، فأخبراني [ 2 ] خبركما وخبره ، قالت : والله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره . قالت : أتخوفتما عليه . لا والله إن لابني هذا شأنا ألا أخبركما عنه ؟ إني حملت به فلم أحمل حملا [ 3 ] قط هو أخف منه ، ولا أعظم بركة منه ، ولقد وضعته فلم يقع كما يقع الصبيان ، لقد وقع واضعا يده في الأرض رافعا رأسه إلى السماء . دعاه والحقا بشأنكما [ 4 ] . ذكر ما جرى في السنة الثالثة من مولده صلى الله عليه وسلم قال مؤلف الكتاب : من ذلك شقّ صدره ، وقد ذكرناه ، وظاهر هذا الحديث أن

--> [ 1 ] جفر : شديد . [ 2 ] في الأصل : « فأخبروني » . [ 3 ] هذا يوهم أنها حملت بغير نبينا صلى الله عليه وسلم ، وهو غير صحيح ، فلم تحمل آمنة أم الرسول صلى الله عليه وسلم إلا به . [ 4 ] حديث حليمة : في السيرة النبويّة لابن هشام 1 / 162 - 165 . والبداية والنهاية 2 / 273 . ودلائل النبوة للبيهقي 1 / 133 - 136 . ودلائل النبوة لأبي نعيم 111 - 113 . وألوفا لابن الجوزي ( رقم 119 ) .