ابن الجوزي
130
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ذي يزن ، وما قدم له ، وسأله أن يأذن له عليه ، ففعل . وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الَّذي فيه تاجه ، وكان تاجه مثل القنفل [ 1 ] العظيم ، مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة ، معلَّقا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك ، وكانت عنقه لا تحمل [ 2 ] تاجه ، [ إنما ] يستر [ 3 ] بالثياب حتى يجلس في مجلسه ، ثم يدخل رأسه في تاجه ، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه ، فلا يراه أحد إلَّا برك هيبة له . فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك ، ثم قال : أيّها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة . فقال كسرى : أيّ الأغربة [ 4 ] ؟ الحبشة أم السند ؟ قال : الحبشة ، فجئتك لتنصرني عليهم ، وتخرجهم عني ، وتكون لك بلادي [ 5 ] ، فأنت أحب إلينا منهم . فقال : بعدت أرضك من أرضنا ، وهي أرض قليلة الخير ، إنّما بها الشاء والبعير ، وذلك مما [ 6 ] لا حاجة لنا به ، فلم أكن لأورّط جيشا من فارس بأرض العرب ، لا حاجة لي بذلك . فأجيز بعشرة آلاف درهم ، وكساه كسوة حسنة ، فلما قبضها خرج فجعل ينثر الورق للناس ، فنهبتها الصبيان والعبيد والإماء ، فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى ، فقيل له : العربيّ الَّذي أعطيته ما أعطيته نثره للناس ونهبته العبيد والصبيان [ 7 ] والنساء . فقال : إنّ لهذا الرجل لشأنا ، ائتوني به ، فلما دخل قال : عمدت إلى حباء الملك الَّذي حباك به تنثره للناس ! قال : وما أصنع بالذي أعطاني الملك ! ما جبال أرضي التي جئت منها إلَّا ذهب وفضة - يرغَّبه فيها لما رأى من زهادته فيها - إنّما جئت إلى الملك ليمنعني
--> [ 1 ] في ت : « القبة » . والقنفل : مكيال يسع ثلاثين منا ، والمن : وزان رطلين . [ 2 ] في ت : « كان عنقه لا يحمل » . وفي الأصل : « كانت عنقه لا يحتمل » . [ 3 ] ما بين المعقوفتين : من الطبري 2 / 140 . وفي ت : « فيسير بالثياب » . [ 4 ] في ت : « إني الأغربة » . [ 5 ] في الطبري 2 / 140 . « ويكون ملك بلادي لك » . [ 6 ] في الأصل ، ت : « ما لا حاجة » . [ 7 ] من أول : « والعبيد والإماء . . . » حتى « . . . ونهبته العبيد والصبيان » . ساقط من ت .