الشيخ وحيد الخراساني
456
منهاج الصالحين
سخط المخلوق " ( 1 ) . إن من عرف الخالق يعلم أن من وجده لا يفقد شيئا ، ومن فقده لا يجد شيئا ، ومن عرف المخلوق يعلم أن حدوثه وبقاءه وإيجاده وإعدامه بمشيئة الخالق ، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فإذا أرضى الله بتسليمه لأمر الله ورضاه بقضاء الله الملازم لرضا الله عنه ، لا يبالي بسخط المخلوق ، فمن رضي عنه المالك لا يبالي بسخط المملوك ، كما أن من أسخط الخالق يحل به سخط المخلوق الذي أسلم لله تعالى طوعا وكرها . قوله ( عليه السلام ) : " إن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه " إنما يكون الوصف بعد الإدراك ، وما يدرك به الانسان إما الحس ، وإما الخيال ، وإما الوهم ، وإما العقل ، وكل واحد منها عاجز عن إدراكه عز وجل لوجوه خاصة بكل واحد منها ، ووجوه عامة لجميعها . منها : أن الإدراك لا يتحقق إلا بإحاطة المدرك بما أدركه ، وما لا حد له لا يمكن الإحاطة به ، فلا يمكن إدراكه ، وكل مدرك وما يدرك به مخلوق لله سبحانه { والله من ورائهم محيط } ( 2 ) بالإحاطة القيومية ، { وهو معكم أين ما كنتم } ( 3 ) وبالإحاطة العلمية { أحاط بكل شئ علما } ( 4 ) ، ولو أدركته الحواس والأوهام والعقول صار المحيط محاطا ، وهو محال ، سبحان من أظلم بظلمته كل نور ( 5 ) .
--> ( 1 ) الكافي ج 1 ص 138 . ( 2 ) سورة البروج : 20 . ( 3 ) سورة الحديد : 4 . ( 4 ) سورة الطلاق : 12 . ( 5 ) إشارة إلى ما في نهج البلاغة الخطبة 182 : فلا إله إلا هو أضاء بنوره كل ظلام ، وأظلم بظلمته كل نور .