حبيب الله الهاشمي الخوئي

391

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فقال عليه السّلام : كما يرزقهم على كثرتهم ، فقيل : كيف يحاسبهم ولا يرونه فقال عليه السّلام : كما يرزقهم ولا يرونه . المعنى محاسبة الله خلقه كرزقه إيّاهم من فعل الله العامّ التامّ الَّذي لا يدرك العقل كنهه ولا يحيط به الانسان علما مثل إبداع الله لوجود العالم ، وخلقه لبني آدم ، فطرح هذه المسائل ربما كان من أهل النفاق المتعنتين الَّذين ابتلى بهم أمير المؤمنين عليه السّلام فكان جوابه إفحاما لهم وإقناعا للعامّة وللحاضرين في محضر السؤال . قال الشارح المعتزلي : هذا جواب صحيح لأنّه تعالى لا يرزقهم على الترتيب أعنى واحدا بعد واحد ، وإنما يرزقهم جميعا دفعة واحدة ، وكذلك تكون محاسبتهم يوم القيامة - إلى أن قال : فان قلت : فقد ورد أنهم يمكثون في الحساب ألف سنة وقيل أكثر من ذلك فكيف يجمع بين ما ورد في الخبر وبين قولكم « إنّ حسابهم يكون ضربة واحدة » ولا ريب أنّ الأخبار تدلّ على أنّ الحساب يكون لواحد بعد واحد . قلت : إنّ أخبار الآحاد لا يعمل عليها ، لا سيّما الأخبار الواردة في حديث الحساب والنار والجنّة ، فانّ المحدّثين طعنوا في أكثرها ، وقالوا : إنها موضوعة - إلخ . أقول : يرد عليه ما يلي : 1 - لا يدلّ كلامه عليه السّلام على أنّ الحساب لجميع الخلائق يقع دفعة واحدة كما أنّ رزق الله لهم لا يقع دفعة واحدة ، فانّ الخلق والرزق أمر تدريجي من بدو خلق آدم إلى فناء آخر امّة من بني آدم ، يقدّر مدّته بمائة ألف سنة ، والله بحقيقتها أعلم والخلائق كلَّهم مجموعون ليوم الدّين فإن كان حسابهم كرزقهم فلا بدّ وأن يقع المحاسبة بمقدار طول مدّة الرزق ، وهو مقدار عمر بقاء البشر في الدّنيا . 2 - أنّ مدّة يوم القيامة قدّرت بخمسين ألف سنة في قوله تعالى : * ( « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه ِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه ُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ » ) * - 4 - المعارج « .