حبيب الله الهاشمي الخوئي

265

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الثانية والثمانون بعد المائة من حكمه عليه السّلام ( 182 ) وقال عليه السّلام : إنّما المرء في الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا ونهب تبادره المصائب ، ومع كلّ جرعة شرق ، وفي كلّ أكلة غصص ، ولا ينال العبد نعمة إلَّا بفراق أخرى ، ولا يستقبل يوما من عمره إلَّا بفراق آخر من أجله ، فنحن أعوان المنون ، وأنفسنا نصب الحتوف ، فمن أين نرجو البقاء وهذا اللَّيل ، والنّهار لم يرفعا من شيء شرفا إلَّا أسرعا الكرّة في هدم ما بنيا ، وتفريق ما جمعا . اللغة ( انتضلت ) سهما من المنايا أي اخترت . و ( شرق ) بريقه إذا غصّ به من باب تعب والشرق : الغصّة ، و ( الغصّة ) : الشجى في الحلق والجمع غصص . و ( المنون ) المنيّة لأنها تقطع المدد وتنقص العدد ( الحتف ) : الموت ، والجمع حتوف - مجمع البحرين . الاعراب إلَّا بفراق أخرى استثناء مفرّغ . آخر ، غير منصرف . لم يرفعا من شيء وأسرعا ، الاسناد فيهما مجازي . المعنى شبّه الانسان بهدف لأنواع الموت ، فيموت بما اختار الله له من الأسباب والمصائب تحوط به وتصول إليه ، كمن يريد نهب متاع من يد صاحبه ، وكلّ جرعة يشربه مصاحب مع كدورة تنغصّه عليه ، ومع كلّ أكلة بليّة تعصر على حلقه كالشجي أو يريد أنّ الانسان في كلّ جرعة معرض للشرق ، وفي كلّ أكلة معرض للغصّة فلا يتهيّأ له شراب ولا طعام في هذه الدّنيا ، ولا ينال نعمة إلَّا بفراق أخرى ، فان وجد