حبيب الله الهاشمي الخوئي

8

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الفصل الثالث قوله عليه السّلام : أي بنيّ إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّا ، ورأيتني أزداد وهنا ، بادرت بوصيّتي إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضى إليك بما في نفسي ، أو أن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى ، أو فتن الدّنيا ، فتكون كالصّعب النّفور ، وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شيء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك ، ليستقبل بجدّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته وتجربته ، فتكون قد كفيت مئونة الطَّلب ، وعوفيت من علاج التّجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه . أي بنيّ ، إنّي - وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي - فقد نظرت في أعمالهم ، وفكَّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم ، حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله وتوّخيت لك جميله ،