حبيب الله الهاشمي الخوئي
84
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
لكلا النهيين المقدّمين ومتعلق بكلا الفعلين أعني لا تدن ، ولا تباعد « قبل » ظرف لقوله : ولا يحملنّكم . المعنى قد أتى عليه السّلام في هذه الوصيّة بأمور يدلّ بعضها على كمال رأفته بالنّاس ، والاخر على نهاية بصارته في البأس . وقد جمع عليه السّلام فيها بين الأضداد وألَّف بين الأشتات . وإذا ضمّت هذه الوصيّة إلى الَّتي قبلها واللاتي بعدها تزيد المجاهد بصيرة في فنون الحرب ، ومع ذلك تذكَّره بتقوى اللَّه وتحذّره عن اتّباع الهوى وتنشطه وتشجعه في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى . ولو تأمّل فيها متأمّل وفكر فيها متفكَّر علم أنّ عليها مسحة من العلم الإلهي وفيها عبقة من الكلام النبويّ . وأنّ قائلها كان على بيّنة من ربّه وبصيرة في الدّين ولم يكن في قلبه زيغ عن سواء الطريق . وما كان همّه إلَّا إطفاء نار الفتنة وانقاذ الناس ممّا فيه الهلكة وإنفاذهم إلى ما فيه سعادة جمّة . فانظر في فقرات هذه الوصيّة ، افتتحها بتقوى اللَّه واختتمها بالكفّ عن القتال قبل الإعذار والدّعاء ، ووسّط فيها قوله : فسر على بركة اللَّه ، وصدّر فيها بالأوامر ، وأردفها بالنواهي ولعمري إنّ محاسنها فوق أن يحوم حولها العبارة وإنّما هي تدرك ولا توصف وستقف على بعضها في أثناء الشرح فلنتعرّض لشرح فقراتها وجملها على قدر الوسع والاستطاعة . قوله عليه السّلام : « اتق اللَّه - إلى قوله : دونه » أمره بتقوى اللَّه أوّلا لأنّها خير زاد وكان عليه السّلام كثيرا ما يوصي أصحابه بتقوى اللَّه ففي الكافي بإسناده عن أبي الحسن موسى عليه السّلام قال : كان أمير المؤمنين عليه السّلام يوصي أصحابه ويقول : أوصيكم بتقوى اللَّه فإنها غبطة الطالب الراجي وثقة الهارب اللاجي واستشعروا التقوى شعارا باطنا واذكروا اللَّه ذكرا خالصا تحبوا به أفضل الحياة وتسلكوا به طريق النجاة - إلخ ( ص 62 ج 14 من الوافي ) . وفي الفقيه عن سليم بن قيس الهلالي قال : شهدت وصيّة أمير المؤمنين عليه السّلام حين أوصى إلى ابنه الحسن - يعني حين ضربه ابن ملجم - وأشهد على وصيّته الحسين