حبيب الله الهاشمي الخوئي

89

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ونزيدك بيانا في المقام حتّى يتبيّن الحق فنقول : لا ريب انّ للَّه تعالى في كل واقعة وفي كلّ ما يحتاج إليه النّاس في معاشهم ومعادهم حكما وهي أمور غير متناهية وكذا لا ريب أنّ اللَّه تعالى نزل القرآن تبيانا لكلّ شيء كما نص به عزّ من قائل في سورة النحل آية 92 * ( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) * . وفي الأنعام آية 39 : * ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) * . وفي ذلك روى ثقة الاسلام الكلينيّ قدّس سرّه في أصول الكافي بإسناده عن مرازم عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال إنّ اللَّه تعالى انزل في القرآن تبيان كلّ شيء حتّى واللَّه ما نزل اللَّه شيئا يحتاج إليه العباد حتّى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا انزل في القرآن إلَّا وقد أنزله اللَّه فيه . وفيه أيضا بإسناده إلى عمرو بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام قال : سمعته يقول انّ اللَّه تعالى لم يدع شيئا يحتاج إليه الامّة إلَّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وجعل لكلّ شيء حدّا وجعل عليه دليلا يدلّ عليه وجعل على من تعدّي ذلك الحدّ حدّا . وكذا غيرهما من الأخبار الأخر في ذلك الباب . وكذا لا ريب انّ القرآن لم يبيّن تلك الفروع والأحكام الجزئية وكلّ ما يحتاج إليه النّاس في أمورهم الدينيّة والدّنيوية على التفصيل والبسط وهذا لا ينافي قوله عزّ وجلّ في الآيتين المذكورتين لأنّ الكتاب مشتمل على أصول كلَّية يستنبط منها الأحكام الجزئيّة والقوانين الالهيّة من كان عارفا بها حقّ المعرفة فلنقدّم لك مثالا في ذلك توضيحا للمراد . قال المفيد في إرشاده : وروى عن يونس عن الحسن أن عمر أتى بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : إن خاصمتك بكتاب اللَّه خصمتك إنّ اللَّه تعالى يقول : * ( وَحَمْلُه ُ وَفِصالُه ُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) * ويقول جلّ قائلا : * ( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) * فإذا تممت المرأة الرّضاعة سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرا كان الحمل منها ستّة أشهر فخلى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك فعمل الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا انتهى .