حبيب الله الهاشمي الخوئي

73

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الإشارة الأولى من النمط التّاسع من الإشارات والتنبيهات وغيرهم من الحكماء الشامخين في مؤلفاتهم الحكمية ونأتي بما في الإشارات وشرحه للعلامة الطوسي فإنهما وافيان في المقصود مع جزالة اللَّفظ ورزانة النظم قال الشّيخ : لما لم يكن الانسان بحيث يستقلّ وحده بأمر نفسه إلَّا بمشاركة آخر من بني جنسه وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما يفرغ كلّ واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير وكان ممّا يتعسر ان أمكن ، وجب أن يكون بين النّاس معاملة وعدل يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة لاختصاصه بآيات تدلّ على أنّها من عند ربّه ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عنده القدير الخبير فوجب معرفة المجازي والشارع ومع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكورة للمعبود وكرّرت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير حتّى استمرت الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع ثمّ لمستعمليها بعد النفع العظيم في الدّنيا الأجر الجزيل في الأخرى ثمّ زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة الَّتي خصّوا بها فيما هم مولَّون وجوههم شطره فانظر إلى الحكمة ثمّ إلى الرّحمة والنعمة تلحظ جنابا تبهرك عجائبه ثمّ أقم واستقم . وقال المحقق الطوسي في شرحه : أثبت النبوّة والشريعة وما يتعلَّق بهما على طريقة الحكماء وذلك مبني على قواعد وتقريرها أن نقول : الانسان لا يستقل وحده بأمور معاشه لأنّه يحتاج إلى غذاء ومسكن وسلاح لنفسه ولمن يعوله من أولاده الصغار وغيرهم وكلَّها صناعيّة لا يمكن أن يرتبها صانع واحد إلا في مدّة لا يمكن أن يعيش تلك المدة فاقدا إياها أو يتعسر إن أمكن لكنّها تتيسّر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها يفزع كل واحد منهم لصاحبه عن ذلك فيتم بمعارضة وهي أن يعمل كلّ واحد مثل ما يعمله الاخر ، ومعاوضة وهي أن يعطى كلّ واحد صاحبه من عمله بإزاء ما يأخذه منه من عمله فاذن الانسان بالطبع محتاج في تعيشه إلى الاجتماع مؤد إلى صلاح حاله وهو المراد من قولهم الانسان مدنى بالطبع ، والتمدن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع فهذه قاعدة . ثمّ نقول : واجتماع النّاس على التعاون لا ينتظم إلا إذا كان بينهم معاملة