حبيب الله الهاشمي الخوئي

308

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فأمّا قوله « إنّه اشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه من حيث كان يغلظ له القول » فليس بشيء يعوّل عليه لأنه لم يكن في أهل المدينة إلَّا من كان راضيا بقوله عاتبا بمثل عتبه إلا أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه ومخف ما عنده وما في أهل المدينة إلَّا من رثى مما حدث على أبي ذر واستفظعه ومن رجع إلى كتب السير عرف ما ذكرناه . فأما قوله « إن عمر أخرج من المدينة نصر بن حجاج » فيما بعد ما بين الأمرين وما كنا نظن أن أحدا يسوّى بين أبي ذر وهو وجه الصحابة وعينهم ومن أجمع المسلمون على توقيره وتعظيمه وأن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله مدحه من صدق اللهجة بما لم يمدح به أحدا وبين نصر بن الحجاج الحدث الذي كان خاف عمر من افتتان النساء به وبشبابه ولاحظ له في فضل ولا دين . على أن عمر قد ذم باخراجه نصر بن الحجاج من غير ذنب كان منه وإذا كان من أخرج نصر بن الحجّاج مذموما فكيف بمن أخرج مثل أبي ذر رحمه اللَّه فأمّا قوله « إنّ اللَّه تعالى والرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله ندبا إلى خفض الجناح ولين القول للمؤمن والكافر » فهو كما قال إلَّا أن هذا أدب كان ينبغي أن يتأدب به عثمان في أبي ذر ولا يقابله بالتكذيب وقد قطع الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله على صدقه ولا يسمعه مكروه الكلام وهو إنما نصح له وأهدى عليه عيوبه وعاتبه على ما لو نوزع عنه لكان خيرا له في الدنيا والآخرة وهذه جملة كافية . في تاريخ أبى جعفر الطبري : لما حضرت الوفاة أبا ذر في الربذة وذلك في سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة في سنة ثمان في ذي الحجة من امارة عثمان قال لابنته : استشرفي يا بنيّة فانظري هل ترين أحدا قالت : لا ، قال : فما جاءت ساعتي بعد ، ثمّ أمرها فذبحت شاة ثمّ طبختها . ثمّ قال : إذا جاءك الذين يدفنوني فقولي لهم : إن ابا ذر يقسم عليكم ان لا تركبوا حتّى تأكلوا فلمّا نضجت قدرها قال لها : انظرى هل ترين أحدا قالت : نعم ، هؤلاء ركب مقبلون . قال : استقبلى بي الكعبة ، ففعلت وقال : بسم اللَّه وباللَّه وعلى ملَّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ثمّ خرجت ابنته فتلقتهم وقالت رحمكم اللَّه