حبيب الله الهاشمي الخوئي

276

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وإنّما اجتمع النّاس على قراءة هؤلاء واقتدوا بهم فيها لسببين : أحدهما أنّهم تجرّدوا لقراءة القرآن واشتدّت بذلك عنايتهم مع كثرة علمهم ومن كان قبلهم أو في أزمنتهم ممن نسب إليه القراءة من العلماء وعدّت قراءتهم في الشواذ لم يتجرّد لذلك تجرّدهم وكان الغالب على أولئك الفقه أو الحديث أو غير ذلك من العلوم . والاخر أن قراءتهم وجدت مسندة لفظا أو سماعا حرفا حرفا من أوّل القرآن إلى آخره مع ما عرف من فضائلهم وكثرة علمهم بوجوه القرآن ( قالهما الطبرسي في مقدمة تفسيره مجمع البيان ) . أقول : على أن أئمتنا سلام اللَّه عليهم قرروا تلك القراءات لأنّها كانت متداولة في عصرهم عليهم السّلام وكان الناس يأخذونها من القراء ولم يردّوهم ولم يمنعوهم عن أخذها عنهم بل نقول : إن قراءة أهل البيت عليهم السّلام يوافق قراءة أحد السبعة وقلَّما ينفق أن تروى قراءة منهم عليهم خارجة عن المتواترات كما يظهر بالتتبع للخبير المتضلع في علوم القرآن . فإن قلت : القرآن نزل على قراءة واحدة فكيف جاز قراءته بأكثر من واحدة فهل القراءات العديدة إلَّا التحريف . قلت : أوّلا إن اختلاف القراءات لا يوجب تحريف الكتاب وتغييره وباختلافها لا تزاد كلمة في القرآن ولا تنقص منه فإن اختلافها في الإعراب وارجاع الضمير وكيفية التلفظ والخطاب والغيبة والإفراد والجمع وأمثالها في كلمات تصلح لذلك وفي الجميع الآيات والكلمات القرآنية بذاتها محفوظة مثلا في قوله تعالى * ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) * ( يوسف - 109 ) قرأ أبو بكر عن عاصم يوحى بضم الياء وفتح الحاء على صيغة المجهول وقرأ حفص عن عاصم بضم النون وكسر الحاء على صيغة المتكلم والمعني على كلا الوجهين صحيح واللفظ محفوظ ومصون . وفي قوله تعالى * ( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِه ِ ) * ( الإسراء - 84 ) قرأ أبو بكر عن عاصم بإمالة الهمزة في نئا وحفص عن عاصم بفتحها ومعلوم انّه لا يوجب التحريف والتغيير ، وفي قوله تعالى * ( فَاعْبُدُوه ُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) *