حبيب الله الهاشمي الخوئي
54
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يمكَّنان من هذا الجوهر المدبر تمكن الملكات كما يقع بالعكس فانّه كثيرا ما يبتدئ فيعرض فيه هيئة مّا عقلية فتنقل العلاقة من تلك الهيئة أثرا إلى الفروع ثمّ إلى الأعضاء ، انظر إذا استشعرت جانب اللَّه عزّ وجلّ وفكرت في جبروته كيف يقشعر جلدك ويقف شعرك ، وهذه الانفعالات والملكات قد تكون أقوى وقد تكون أضعف ، ولولا هذه الهيئات لما كان نفس بعض النّاس بحسب العادة أسرع إلى التهتك والاستشاطة غضبا من نفس بعض . وقوله « فإذا أحست إلى تمكن الملكات » بيان كيفيّة تأثر النّفس عن البدن وقوله « كما يقع بالعكس إلى شعرك » بيان كيفيّة تأثر البدن عن النّفس وقوله « وهذه الانفعالات » إلى آخره إشارة كما في شرحه للعلامة الطوسي إلى أن هذه الكيفيّات المذكورة في الجانبين قابلة للشدّة والضعف ويختلف النّاس بحسبها في هذه الانفعالات والملكات ، وذلك لاختلاف أحوال نفوسهم وأمزجتهم وبحسب تلك الشدّة والضعف يتفاوتون في أخلاقهم الفاضلة والرذلة فيكون بعضهم أشدّ وأضعف استعداد للغضب وبعضهم للشهوة وكذلك في سائرها . ثمّ نقول : ومن هنا يمكن أن يستنبط أن السر في تفاوت الخلايق في الخيرات والشرور واختلافهم في السعادة والشقاوة هو اختلاف استعداداتهم وتنوع حقائقهم لتباين المواد السفلية في اللَّطافة والكثافة واختلاف أمزجتهم في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي واختلاف الأرواح الَّتي بإزائها في الصفاء والكدورة والقوة والضعف وترتب درجاتهم في القرب من اللَّه سبحانه والبعد عنه كما أشير إليه في الحديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الاسلام ، كما نبه إليه بعض الاعلام . فنقول بعد ما اخذت الفطانة بيدك واستحضرت معاني المباحث الأربعة المذكورة في ذهنك يظهر معاني كلامه عليه السّلام بأنّه كيف صار مبادي طينهم سببا لاختلاف أمزجتهم وصورهم واخلاقهم وفرق بعضهم عن بعض . وإن قلت : إنّه علم في المباحث المذكورة انّ السبب في تفرق النّاس في