حبيب الله الهاشمي الخوئي
173
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المعقولات والتعلق بالمجردات فان البعد عن أحد الجانبين مقرب إلى الاخر ومن هذا قوله صلَّى اللَّه عليه وآله الدنيا والآخرة ككفتى ميزان ايّهما رجحت نقصت الأخرى وقال بعض أهل الحكمة انهما كالضرّتين الانس بأحدهما يوجب الوحشة من الأخرى . وبالجملة الأمور الدّنيوية والتعلق بها توجب الحرمان ومنع التعلق بالأمور الأخروية وبقدر ما يبعد عن أحدهما يقرب من الأخرى وعبر صلَّى اللَّه عليه وآله عن هذه الجملة بقوله : الدنيا رأس كلّ خطيئة فلا يتحقق التوبة المعتبرة عند أهل اللَّه إلَّا بالاعراض عن الأحوال الدّنيوية بالكلَّية بحيث لا يلتفت إليها ويبعدها عن مطمح نظره كما جاء في الحديث : الدّنيا محرمة على أهل الآخرة والآخرة محرّمة على أهل الدّنيا وهما معا محرّمتان على أهل اللَّه ولهذا قيل إن التوبة على ثلاثة أنواع عام للعبيد كلَّهم وهى التوبة عن ترك الطاعة وفعل القبيح ، وخاص بأهل الورع وهى التوبة عن فعل المكروه وترك المندوب ، وأخص من الخاص وهى التوبة عن الالتفات إلى غير اللَّه وهى لأهل الولاية الَّذين هم في مرتبة الحضور في أغلب الأوقات ، وتوبة نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وأوليائه من هذا القبيل ومنه قوله : صلَّى اللَّه عليه وآله إنّه ليغان على قلبي وإنّى لأستغفر اللَّه في اليوم سبعين مرة ، وأهل هذه الطبقة هم أهل المراقبة . الثاني إن التوبة عن المعاصي واجبة على العباد وهو مبتن على مقدمة وهى : إن الحسن والقبح أمران عقليان وهذا حكم متفق عليه بين العدلية من الامامية والمعتزلة وذهبت الأشاعرة إلى أن الحسن والقبح إنّما يستفادان من الشرع فكلما أمر الشرع به فهو حسن وكلما نهى عنه فهو قبيح ولولا الشرع لم يكن حسن ولا قبيح ولو أمر اللَّه تعالى بما نهى عنه لانقلب القبيح إلى الحسن والقول بثبوت الحسن والقبح عقلا مما يدّعى فيه أهل التحقيق الضرورة ومع ذلك نقول كما في المجلى : لا ريب إن الحسن والقبيح قد استعملا لما يلائم الطبع ولما ينافيه فيقال للأوّل حسن وللثاني قبيح ويقالان باعتبار النقص والكمال فما هو كمال يقال له الحسن وما هو نقص يقال له قبيح فمن الأوّل قولهم هذا طعم حسن وطعم قبيح وصورة حسنة وصورة قبيحة باعتبار ملائمة الطبع ومنافرته ، ومن الثاني قولهم العلم