حبيب الله الهاشمي الخوئي

78

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أركان الدين ، ولذلك قال : عليه الصلاة والسلام في الخطبة الثانية والتسعين : ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بنى أمية فإنها فتنة عمياء مظلمة ، إلى آخر ما مرّ هناك . وقوله عليه الصلاة والسلام ( فأبى بعد سمعه لها إلَّا النكوص عن نصرتك والابطاء عن اعزاز دينك ) لا يخفى ما في هذا الكلام من بديع البيان وحسن التقرير وعجيب التعبير ، حيث لم يقل فأبى بعد سمعه لها عن قبولها أو اجابتها ، بل عدل عنه إلى قوله : إلَّا النكوص آه للطافة معناه وبعد غوره وغزارة فحواه . وذلك لأنّ في التعبير بهذه من التنبيه على عظيم خطاء الممتنعين المتقاعدين عن قبول أمره عليه السّلام ومزيد تقصيرهم وكبير ذنبهم ما لا يخفى على الفطن الخبير بمحسنات البيان . أمّا أوّلا فلما مرّ من أنّ النكوص مخصوص بالرّجوع عن الخير أو نادر الاستعمال في الرّجوع عن الشرّ وعلى التقديرين ففيه دلالة على أنّهم بتقاعدهم قد فوّتوا على أنفسهم الخير الكثير الَّذى كان لهم عاجلا وآجلا . وأمّا ثانيا فإنّ في قوله : عن نصرتك دلالة على أنّهم بقتال القاسطين ناصرون للَّه سبحانه كما أنّهم بترك القتال ناكصون عن نصرته ، واللَّه سبحانه يقول * ( إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) * وقال * ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا ) * فلم يكن استنصاره من ضعف وذلّ بل استنصرهم وله جنود السّماوات والأرض ليبلوهم أيّهم أحسن عملا وليعلم اللَّه من ينصره ورسله بالغيب فيستوجب بالقتال ثواب الامتثال . ثمّ في إضافة النّصرة إلى كاف الخطاب إشارة إلى أنّ نصرته عليه السّلام هو نصرة اللَّه ، لأنّ إطاعة الرّسول وإطاعة وليّ الأمر هو إطاعة اللَّه ، لكونهم مبلَّغين عن اللَّه والامر والنّاهى في الحقيقة هو اللَّه ، ولذلك قرن اللَّه طاعتهم بطاعته في قوله : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) * بل جعل طاعتهم عين طاعته في قوله * ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله ومَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) * . روى في الصّافى عن العياشي عن الباقر عليه السّلام قال : ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه