حبيب الله الهاشمي الخوئي
53
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
من قبل أنّ الرّواية المجمع عليها جاءت عن الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : اقتدوا باللَّذين من بعدى أبي بكر وعمر ، فلمّا أمر نبىّ الرّحمة بالاقتداء بهما علمنا أنّه لم يأمر إلَّا بالاقتداء بخير الناس . فقال المأمون : الرّوايات كثيرة ولا بدّ من أن يكون كلَّها حقا أو كلَّها باطلا أو بعضها حقّا وبعضها باطلا ، فلو كانت كلَّها حقّا كانت كلَّها باطلا من قبل أن بعضها ينقض بعضا ، ولو كانت كلَّها باطلا كان في بطلانها بطلان الدّين ودروس الشريعة ، فلمّا بطل الوجهان ثبت الثالث بالاضطرار وهو أنّ بعضها حقّ وبعضها باطل فإذا كان كذلك فلابدّ من دليل على ما يحقّ منها ليعتقد وينفى خلافه ، فإذا كان دليل الخبر في نفسه حقّا كان أولى ما أعتقد وآخذ به وروايتك هذه من الأخبار الَّتي أدلَّتها باطلة في نفسها ، وذلك إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أحكم الحكما وأولى الخلق بالصّدق وأبعد الناس من الأمر بالمحال وحمل النّاس على التّدين بالخلاف وذلك إنّ هذين الرّجلين لا يخلو من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة أو مختلفين ، فان كانا متّفقين من كلّ جهة كانا واحدا في العدد والصفة والصّورة والجسم ، وهذا معدوم أن يكون اثنان بمعنى واحد من كلّ جهة ، وإن كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما ، وهذا تكليف ما لا يطاق لأنّك إذا اقتديت بواحد خالفت الاخر ، والدّليل على اختلافهما إنّ أبا بكر سبى أهل الرّدة وردّهم عمر أحرارا ، وأشار عمر إلى أبي بكر بعزل خالد وبقتله بمالك بن نويرة فأبى أبو بكر عليه ، وحرّم عمر المتعة ولم يفعل ذلك أبو بكر ، ووضع عمر ديوان العطية ولم يفعله عمر ، واستخلف أبو بكر ولم يفعل ذلك عمر ، ولهذا نظاير كثيرة . « قال الصدوق رضى اللَّه عنه في هذا فصل لم يذكره المأمون لخصمه وهو أنّهم لا يرووا أنّ النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : اقتدوا بالَّذين من بعدى أبي بكر وعمر ، وإنّما رووا أبو بكر وعمر وروى أبا بكر وعمر ، فلو كانت الرّواية صحيحة لكان معنى قوله بالنّصب اقتدوا باللَّذين من بعدى كتاب اللَّه والعترة يا أبا بكر وعمر ، ومعنى قوله بالرّفع اقتدوا أيّها الناس وأبو بكر وعمر باللَّذين من بعدى كتاب اللَّه والعترة » رجعنا إلى حديث المأمون