حبيب الله الهاشمي الخوئي
395
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في متاع الدّنيا وزخرفها وسلكوا مسلك الرّفض لزينتها والرّغبة والقناعة بالتّطفيف النّزر منها وأكلوا الخشن ولبسوا الكرابيس . ولمّا ألقت إليهم أفلا ذ كبدها وفّروا الأمول على النّاس وقسّموها بينهم لم يتدنّسوا منها بقليل ولا كثير فمالت إليهم القلوب وأحبّتهم النّفوس ، وحسنت فيهم الظنّون وقال من كانت في نفسه شبهة منهم أو وقفة في أمرهم : لو كانت هؤلاء قد خالفوا النّص لهوى أنفسهم لكانوا أهل الدّنيا وبسط عليهم الميل إليها والرغبة فيها والاستيثار بها ، وكيف يجمعون على أنفسهم بين مخالفة النصّ وترك لذّات الدنيا وماربها ، فيخسروا الدّنيا والآخرة ، وهذا لا يفعله عاقل وذو لباب وآراء صحيحة . فلم يبق عند أحد شكّ في أمرهم ولا ارتياب لفعلهم وثبت العقائد على ولائهم وتصويب أفعالهم ونسو الذّة الرّياسة وأن أصحاب الهمم العالية لا يلتفتون إلى الماكل والمشرب والمنكح وإنّما يريدون الحكم والرياسة ونفوذ الأمر كما قال الشاعر : وقد رغبت عن لذّة المال أنفس وما رغبت عن لذّة الأمر والنهى قال : والفرق بين الرّجلين وبين الثالث ما أصيب الثالث وقتل تلك القتلة وخلعه النّاس وحصروه وضيّقوا عليه بعد أن توالي إنكارهم أفعاله في وجهه وفسّقوه وذلك لأنّه استأثر هو وأهله بالأموال وانغمسوا فيها واستبدّوا بها فكانت طريقته وطريقتهم مخالفة لطريقى الأوّلين ، فلم تصبر العرب على ذلك . ولو كان عثمان سلك مسلك عمر في الزّهد وجمع النّاس ، وردع الأمراء والولاة عن الأهوال ، وتجنب استعمال أهل بيته ، ووفّر أعراض الدّنيا وملاذها وشهواتها على الناس زاهدا فيها تاركا لها معرضا عنها لما ضرّه شيء قطَّ ولا أنكر عليه أحد قطَّ ولو حوّل الصّلاة من الكعبة إلى بيت المقدس بل لو أسقط عن الناس إحدى الصلاة الخمس واقتنع منهم بأربع . وذلك لأنّ همم الناس مصروفة إلى الدّنيا والأموال فإذا وجدوها سكتوا وإذا نفدوها هاجوا واضطربوا .