حبيب الله الهاشمي الخوئي

386

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أقول : هذا ظاهر معنى الكلام وأمّا باطنه فهو أنّ الأعرابي الجلف رحل عن الدّنيا وترك النّاس حيارى وأوقعهم بما أبدعه من سننه وسيره وبدعاته وحيله ومكايده وتمويهاته في الفتنة والضّلال والخزي والنكال ، لا سيّما ما قرّره من الشّورى وجعلها بين السّتة أوجب تفرّق النّاس عن الصّراط المستقيم أيادي سبا وأيدي سبا . فمنهم من قد كان اشرب قلبه حبّ الشيخين واستحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر ربّه فضلّ عن السّبيل المقيم وهوى أسفل درك الجحيم . ومنهم من كان طالبا للهداية إلَّا أنّه نظر إلى اختلاف طرق الضّلال والهدى وكثرة السالكين إلى الأولى وقلَّتها إلى الأخرى فبقى تائها متحيّرا بين السّبيلين فلم يتمكَّن من تحصيل السّبيل ورفع الشك والتّحير من البين كما أشار إلى ذلك في الخطبة الخمسين بقوله : إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب اللَّه ويتولَّى عليها رجال رجالا على غير دين اللَّه ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الَّذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى والحاصل أنّ عمر بتلبيسه الحقّ بالباطل والباطل بالحقّ وخلطه الصّالح بالسّيء وايقاعه الاشتباه بينهما أوقع النّاس في الشكّ والضّلال خصوصا جعله أمير المؤمنين وباب علم النّبيين قرينا للخمسة الالواد ، وترشيحه كلَّا منهم بأهليّة الخلافة ألقى التفرقة بين الامّة وشقّ عصا الجماعة واختلف بذلك الآراء وتشتّت الأهواء وتشعّب الطَّرق وتفرّقت السبل . ويدلّ على ذلك صريحا ما نقله العلامة الحلَّي في كتاب نهج الحقّ من كتاب العقد لابن عبد ربّه أنّ معاوية قال لابن أبي الحصين : أخبرني ما الَّذي شتّت أمر