حبيب الله الهاشمي الخوئي

340

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

روى ابن أبي ذئب عن أبي صالح العجلي قال : شهدت أمير المؤمنين كرّم اللَّه وجهه وهو يخطب فقال بعد أن حمد اللَّه تعالى وصلَّى على محمّد رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أيّها النّاس إنّ اللَّه أرسل إليكم رسولا ليربح به عليكم ، ويوقظ به غفلتكم وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل ، أمّا اتّباع الهوى فيصدّكم عن الحقّ ، وأمّا طول الأمل فينسيكم الآخرة ، ألا وانّ الدّنيا قد ترحّلت مدبرة ، وإنّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة ، ولكلّ واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا ، فانّ اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل . واعلموا أنّكم ميّتون ومبعوثون من بعد الموت ومحاسبون على أعمالكم ومجازون بها ، فلا يغرّنكم الحياة الدّنيا ولا يغرّنكم باللَّه الغرور . فانّها دار بالبلاء محفوفة ، وبالعناء والغدر موصوفة ، وكلّ ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ، لا تدوم أحوالها ، ولا يسلم من شرّها نزّالها ، بينا أهلها في رخاء وسرور ، إذا هم في بلاء وغرور ، العيش فيها مذموم ، والرّخاء فيها لا يدوم ، أهلها فيها أغراض مستهدفة ، كلّ حتفه فيها مقدور ، وحظَّه من نوائبها موفور . وأنتم عباد اللَّه على محجّة من قد مضى ، وسبيل من كان ثمّ انقضى ، ممّن كان أطول منكم أعمارا وأشدّ بطشا ، وأعمر ديارا ، أصبحت أجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، فاستبدلوا بالقصور المشيّدة ، والنّمارق الموسّدة ، بطون اللَّحود ، ومجاورة الدّود ، في دار ساكنها مغترب ، ومحلَّها مقترب ، بين قوم مستوحشين ، متجاورين غير متزاورين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنوّ الدّار . وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنتهم البلى ، وأظلتهم الجنادل والثرى ، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، قد فجع بهم الأحباب ، واسكنوا التّراب ، وظعنوا فليس لهم اياب ، وتمنّوا الرّجوع فحيل بينهم وبين ما يشتهون