حبيب الله الهاشمي الخوئي
329
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أو نوّرت لهم إلَّا الظلمة ، أو أعقبتهم الَّا الحسرة والندامة ، فبئست الدّار لمن لم يتّهمها ولم يكن فيها على وجل . ( وانما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها ) قال الشارح البحراني استعار لفظ الأغراض ورشح بذكر الاستهداف وكذلك استعار لفظ الرّمى لايقاع المصائب بهم ورشح بذكر السهام . أقول : بل هو استعارة مكنية تخييلية ترشيحية فانّه عليه الصلاة والسلام شبه الدّنيا بنبال ينصب غرضا ويتّخذ هدفا يرمى إليه بسهامه ، فطوى عن ذكر المشبّه به وذكر المشبّه كما هو شأن الاستعارة المكنية ، وأثبت له ما هو من لوازم المشبّه به تخييلا وهو الأغراض والسهام ، ورشح بذكر ما هو من ملايمات المشبّه به وهو الرّمى والاستهداف . ومحصّل المراد أنّ الناس في الدّنيا بمنزلة أغراض منصوبة للهدفية ترمى الدّنيا إليهم بسهامها أي مصائبها ومحنها وآلامها قال الشاعر : رماني الدّهر بالارزاء حتّى فؤادي في غشاء من نبال فصرت إذا أصابتنى سهام تكسّرت النصال على النصال وقوله عليه السّلام ( وتفنيهم بحمامها ) ترشح آخر أي تهلكهم بموتها . ثمّ ذكرهم بالاعتبار بأحوال السلف الماضين وما جرت عليهم من تقلَّبات الدّنيا وتصاريفها وتنكَّر حالاتها واغتيالها لهم وما صار إليه عاقبة أمورهم ايضاحا بذلك لما قدّمه سابقا من غدر الدّنيا وعدم دوام أحوالها وسلامة نزالها وانتفاء الأمان فيها وإفنائها بحمامها وتنبيها به على أنّ الباقين فيها سيحلقون بالماضين ويحذون حذوهم وينقلون من القصور إلى القبور ، ويبدّلون السّرور بالويل والثّبور . فقال عليه السّلام ( واعلموا عباد اللَّه أنكم وما أنتم فيه من هذه الدّنيا ) من متاعها وحطامها وزبرجها وزخارفها ( على سبيل من قد مضى قبلكم ) من أهل الدّيار الخالية والربوع الخاوية ( ممّن كان أطول منكم أعمارا ) منهم عوج بن عناق كان جبارا عدو اللَّه وللاسلام ، وله بسطة في الجسم والخلق