حبيب الله الهاشمي الخوئي

324

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

تلك الأحوال أشبه شيء بالغدر ، انتهى . أقول : مراده عليه السّلام أنّها مشهورة بالغدر والخداع ، معروفة بالمكر والغرور غير مختفية حيلتها ومكيدتها على أهل البصيرة ، لأنّها بكونها حلوة خضرة محفوفة بالشهوات ومهيّاة للآمال والامنيّات ، أعجبت النّاس بشهواتها العاجلة وتحبّبت إليهم بلذّاتها الحاضرة ، وتزيّنت بالغرور ، فاغترّ بها كلّ من كان غافلا عن مكيدتها وافتتن بحبّها كلّ من كان جاهلا بحقيقتها ، حتّى إذا أوقعتهم في حبائل محبّتها أبدت ما كان مضمرا في باطنها من مكرها وحيلتها ، فلم يكن امرء منها في حبرة إلَّا أعقبته بعدها عبرة ولم يلق من سرّائها بطنا إلَّا منحته من ضرّائها ظهرا ، ولم ينل أحد من غضارتها رغبا إلَّا أرهقته من نوائبها تعبا ، فكم من واثق بها قد فجعته ، وذى طمأنينة قد صرعته ، وذى أبهة قد جعلته حقيرا ، وذى نخوة قد ردّته ذليلا . وكفى في ايضاح غدرها ما قاله بعض قدماء أهل الحقيقة والبصيرة من أنها الاخذة ما تعطى والمورثة بعد ذلك التبعة ، السالبة لمن تكسو والمورثة بعد ذلك العرى ، الواضعة لمن ترفع والمورثة بعد ذلك الجزع ، التاركة لمن يعشقها والمورثة بعد ذلك الشقوة ، المغوية لمن أطاعها الغدّارة بمن أئتمنها ، هي المحبوبة التي لا تحبّ أحدا ، الملزومة التي لا تلزم أحدا يوف لها وتغدر ، ويصدق لها وتكذب وينجز لها فتخلف ، هي المعوّجة لمن استقام بها ، والمتلاعبة بمن استمكنت منه بيناهى تطعمه إذ حولته مأكولا ، وبيناهى تخدمه إذ جعلته خادما ، وبيناهى تضحكه إذ ضحكت منه ، وبيناهى تشتمه إذ شتمت منه ، وبيناهى تبكيه إذ بكت عليه ، وبيناهى قد بسطت يده بالعطية إذ بسطتها بالمسألة ، وبينا هو فيها عزيز إذ أذلَّته ، وبينا هو فيها مكرّم إذ أهانته ، وبينا هو فيها معظم إذ حقرته ، وبينا هو فيها رفيع إذ وضعته ، وبينا هي له مطيعة إذ عصته ، وبينا هو فيها مسرور إذ أحزنته ، وبينا هو فيها شبعان إذ أجاعته ، وبينا هو فيها حىّ إذ أماتته . فافّ لها من دار هذه صفتها تضع التاج على رأسه غدوة ، وتعفّر خدّه بالتراب