حبيب الله الهاشمي الخوئي

228

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أرواح المؤمنين في وادي السلام : إنّه عليه السّلام قال : كأنّى بهم حلق حلق قعود يتحدّثون ، هذا . وقوله عليه السّلام : ( شاهدوا من اخطار دارهم أفظع ممّا خافوا ورأوا من آياتها أعظم مما قدّروا ) أي شاهد المجرمون من هلكات الدّار الآخرة يعنى نقماتها وعقوباتها أشدّ مما كانوا يخافون منها ويحذرون في الدّنيا ، ورأى المتّقون من آثار الفضل والرّحمة وعلامات الثواب والكرامة أعظم مما كانوا يقدرونها بحسناتهم ويرجون في الدّنيا كما قال عزّ من قائل « فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون » وقال عليه السّلام في الخطبة المأة والثالثة عشر : انّه ليس شيء بشرّ من الشرّ إلَّا عقابه وليس شيء بخير من الخير إلَّا ثوابه ، وكلَّشيء عمن الدّنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه . ( فكلتا الغايتين مدّت لهم إلى مباءة فأنت مبالغ الخوف والرّجاء ) المراد بالغايتين غايتا المجرمين والمتّقين وأراد بالغاية الموت كما في الحديث الموت غاية المخلوقين ، أو أجلهما كما في قوله عليه السّلام في الخطبة الثالثة والسّتين : وإنّ غاية تنقصها اللَّحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدّة ، وعلى أي تقدير فنسبة مدّت إلى الغاية من باب المجاز والتّوسّع ، إذ بها يحصل الوصول إلى مباءة ، وأراد بالمباءة منزل الفريقين من النّار والجنّة . فيكون محصّل المعنى أنّ موت المجرمين وموت المتّقين أو أجلهما استجرهم وجذبهم إلى منزل ومرجع تجاوز وكان هو فوق ما يبلغه خوف الخائف أو رجاء راج ، فكنّى بفوقه من مبالغ الخوف والرّجاء عن شدّة هول النار وعظم خطر الجنة وتجاوزهما عن غاية غايات الخوف والرّجاء . ( فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ) أي لو كانت لهم قدرة النطق والاخبار عن تلك المباءة لعجزوا عن وصف ما شاهدوا فيها من مولمات العقاب وكلَّت ألسنتهم عن شرح ما عاينوا فيها من مضاعفات الكرامة والثّواب . ( ولئن عميت آثارهم ) أي خفيت عن أبصار الناظرين ( وانقطعت أخبارهم )